بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
انتهت على خير في الأسبوع الماضي “الكوميديا الإنسانية” والتي تعرف اصطلاحاً “بمؤتمر القمة العربي” والتي شهدنا بعضاً من ملامحها الضاحكة من خلال المؤتمر الصحفي للزعيم الليبي وهو يكرر اسطوانته “المرحة” والتي أنعشت الشعوب العربية وسط أخبار الهم والغم والقذائف الإسرائيلية التي تتساقط على رؤوس الشعب الفلسطيني، بينما القمة كانت مشغولة بصياغة القرارات التي تدين التعرض للمدنيين العزل الأبرياء المساكين من الشعب اليهودي الإسرائيلي!!
و“الكوميديا” كلمة أكثر من جيدة للتعبيرعن الضحك على ذقون الشعوب العربية من خلال تبني منظومة إنشائية لغوية غاية في الروعة، وتصلح كموضوع تعبير ثرى لطلابنا بالمدارس عندما يطلب منهم مدرس اللغة العربية كتابة موضوع تعبير عن المشاركة الشعبية وحقوق الإسنان وقيم التسامح والديمقراطية
والقراءة الأولية لقرارات القمة تفضح أكثر مما تصلح، وتدين أمثر مما تبرىء، فطوال السنوات الماضية ومند رحيل الاستعمار والأنظمة العربية تتغنى بالديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة، ولعبة الانتخابات وكوميديا الأربع تسعات، فهل كان كل هذا كذب وزور طوال تلك الفترة، ولم تكتشف الأنظمة العربية هذه الحقيقة المرة إلا في هذه القمة، فطالبت بنشر الديمقراطية والتوسع في المشاركة الشعبية وخطوات الإصلاح الشامل ودعم سبل حرية التعبير أم إن الأنظمة العربية قد استفاقت على أحداث أبوغريب في العراق وحاولت أن تدين تلك الممارسات الهمجية واكتشفت فجأة أن بعض ممارسات أبو غريب تعتبر نزهة خلوية بريئة مقارنة بما يحدث في بعض سجونها مع المعارضين الذين يختلفون في أسباب المعارضة، ويتفقون في الشهادات العليا والمؤهلات العالية التي يحملونها، فأرادت أن تقوم بإصلاح أوضاعها السياسية وأطلقت هذه المبادرة النوعية لتصبح مثل أوروبا الشقيقة يستطيع المواطن فيها أن يرمى البيض في وجه الرئيس ثم يستطيع في نفس اليوم – تصور- أن يذهب وينام في منزله!!
المؤلم حقاً أكذوبة إن الإصلاح يأتي بمبادرة ذاتية ودوافع داخلية وليس استجابة لضغوط خارجية، مع أن الشعوب العربية تدرك إن الاختلاف في ملف الإصلاح كان حول “تضعيف وتوثيق” الرواة الذين نقلوا “حديث الإصلاح الأمريكي” وليس على “متن الحديث” الذي يتفق الجميع على صحته وضرورة تطبيقه حتى لا يجلس مع صدام حسين وجوه أخرى بلحى طويلة، وكم كنا نتمنى وجود ممثل عن الجانب الأمريكي حتى لا يساء فهم “النص الأصلي” عبر رواة الحديث الذين نقلوا النص الأصلي بعد رحلتهم الطويلة، في طلب الحديث من البيت الأبيض في واشنطن0
وما يزيد الطين بلة “تصريح وزير خارجية التونسي” الذي أكد أن الهدف هو اكتساب الجدية والمصداقية لدى الرأ ي العام العربي والدولي بحيث لا نتفق سوى على أشياء يمكن تطبيقها وكأنه اعتراف رسمي وصريح أن كل قرارات القمم السابقة كانت اتفاقات على قرارات ” لا يمكن تطبيقها” أو الأصح ” لا نرغب بتطبيقها” ولكنها قرارات كانت تصدر لتخفيف حالة الاحتقان الشعبي فقط لاغير.
إن مؤتمر القمة الأخير كان واضحاً وضوح الشمس في سياسة “رفع العتب” و“تبيض الوجوه” بعد ” فشل المجتمعون في عقد المؤتمر أول مرة” بعد أن كانت كثير من الأنظمة تحرص على الفوز بمناقصة الوكالة الأمريكية في المنطقة وضاعت “الطاسة” بين أنظمة ثورية لا تستطيع دفع استحقاقاتها “الثورية” وأنظمة “إصلاحية” لا ترغب في دفع استحقاقاتها “الإصلاحية”.
إننا حتى نكون صادقين مع أنفسنا ومع مؤتمر القمة، فإننا نقترح أن يكون التجمع العربي على أساس “المصالح” وليس “المبادىء” فالثانية مكلفة جداً في “إبقاء الوضع على ما هو عليه” أما الأولى فيكثر فيها “المنافع الشخصية” وستتحرك عجلة القرارات بسرعة وفعالية.
إننا نشكر القمة الأخيرة لأنها بالفعل نبهتنا إلى خطورة “التنظير” دون النظر إلى مصيبة “الواقع” ونتمنى في المستقبل أن تلغى فكرة “الجلسات السرية” التي أصبح لا داعي لها بعد أن “انكشف المستور” وإذا كان لا بد، فلنتابع مناقشات القمة وقراراتها ولكن بطريقة ” تلفزيون الواقع” فهذا لعله يخفف بعض المصاب والمرارة التي نشعر بها!!

