بقلم:الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

     فبالأمس كنا ننتظر رمضان، وها نحن الآن نودعه، وهكذا تمضي الأعمار، وإنما العبد جملة من الأيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضه، هذا رمضان يمضي، كما كان بالأمس يأتي، فسبحان من قلب الليل والنهار، وأجرى الدهور والأعوام، وفي ذلك معتبر للمعتبرين، وموعظة للمتقين.

     هذا رمضان تلك السنة يشيع، تطوى صحائفه بأعمال العباد، ولا تنشر إلا يوم القيامة للحساب، ولا ندري أندرك رمضان القابل أم لا، فالله المستعان؟

 من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد فات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

     فحق لرمضان أن يبكى له ويبكى عليه، كيف لا يبكي المؤمن رمضان وفيه تفتح أبواب الجنان؟ وكيف لا يبكي المذنب ذهابه، وفيه تغلق أبواب النيران؟ كيف لا يبكى على وقت تسلسل فيه الشياطين، فيالوعة الخاشعين على فقدانه، ويا حرقة المتقين على ذهابه.

     ها هو ذا رمضان يمضي، وقد شهدت لياليه أنين المذنبين، وقصص التائبين، وعبرات الخاشعين، وأخبار المنقطعين، وشهدت أسحاره استغفار المستغفرين، وشهد نهاره صوم الصائمين وتلاوة القارئين، وكرم المنفقين، إنهم يرجون عفو الله، علموا أنه عفو كريم يحب العفو فسألوه أن يعفو عنهم.

     قال يحيى بن أبي كثير:” كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً”[1]، وقال ابن دينار:” الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل”[2].

علامة القبول

     قال بعضهم:” ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها سيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها”.

     إن مقابلة نعمة إدراك رمضان، بارتكاب المعاصي بعده من فعل من بدل نعمة الله كفراً، فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود، وباب الرحمة في وجهه مسدود، إلا أن يعجل بتوبة نصوح.

     ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تعقبها، وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها! ذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنباً قبلها، ما أقبح النكسة بعد التوبة! ما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة.

يا معشر التائبين: لا ترجعوا إلى المعاصي بعد رمضان، وذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنباً قبل التوبة، وما أوحش ذل المعصية.

     يا معشر التائبين: لا ترجعوا إلى المعصية بعد رمضان، واصبروا عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان، اصبروا لله تعالى يعوضكم خيراً “إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم”[3].

     فرب رمضان هو رب الشهور كلها تعالى وتقدس، وعمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن رحمه الله تعالى:” إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت ثم قرأ “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”[4].

     أما يستحي قوم من ربهم إذا انقضى رمضان عطلوا المساجد والقرآن، وعادوا إلى الحرام، نعوذ بالله أن نكون منهم: هذا هو الحديث لمن قضوا رمضان في طاعة الله تعالى، ولمن كان رمضان مناسبة لتوبتهم وميلاداً جديداً لهم.

     يا من ضاع منه رمضان لا يضع منك عمرك، اختمه بتوبة عسى أن يختم أجلك بالحسنى.

     يا أيها العاصي – وكلنا ذلك-: لا تقنط من رحمة الله لسوء عملك؛ فكم يعتق من النار في ختام الشهر من أمثالك، اصدق مع الله يصدقك، وأحسن الظن بربك، وتب إليه، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك[5].

     كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين { يؤتون ما آتـوا وقلوبهم وجلة }، روى عن علي رضي الله عنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: { إنما يتقبل الله من المتقين }، وعن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل  مني مثقال حبة من خردل أحب إلى من الدنيا وما فيها لأن الله يقول:{ إنما يتقبل الله من المتقين }  وقال ابن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل، وقال عطاء السلمي: الحذر الاتقاء على العمل أن لا يكون لله، وقال عبدالعزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهم، أيقبل منهم أم لا .

     وكان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر، فيقال له: إنه يوم فرح وسرور فيقول: صدقتم ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملاً فلا أدري أيقبله مني أم لا . ورأى وهب بن الورد قوماً يضحكون في يوم عيد فقال: إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين . وعن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون .

 كان الإمام علي ينادي في آخر ليالي رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنئه، ومن هذا المحروم فنعزيه.

     روى عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنئه، ومن هذا المحروم فنعزيه . وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول منا فنهنئه ومن هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول هنيئاً لك أيها المردود جبر الله مصيبتك .

وقفات لما بعد رمضان

الوقفة الأولى: لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين

إن من أعظم الجرم وإن من أكبر الخسران أن يعود المرء بعد الغنيمة خاسراً وأن يبدد المكاسب التي يسرها الله عز وجل في هذا الشهر الكريم، وأن يرتد بعد الإقبال مدبراً وبعد المسارعة إلى الخيرات مهاجراً وبعد عمران المساجد بالتلاوات والطاعات معرضاً؛ فإن هذه الأمور لتدل على أن القلوب لم تحيا حياة كاملة بالإيمان ولم تستنر نورها التام بالقرآن وأن النفوس لم تذق حلاوة الطاعة ولا المناجاة وأن الإيمان ما يزال في النفوس ضعيفاً وأن التعلق بالله عز وجل لا يزال واهناً لأننا أيها الإخوة على مدى شهر كامل دورة تدريبية على الطاعة والمسارعة إلى الخيرات والحرص على الطاعات ودوام الذكر والتلاوة ومواصلة الدعاء والتضرع والابتهال والمسابقة في الإنفاق والبذل والإحسان ثم ينكس المرء بعد ذلك على عقبه .

إن المسألة أيها الإخوة تحتاج إلى أن نتدبر في معناها ومغزاها فإن المخالفة لله عز وجل والمعصية لأوامره والانتهاك لحرماته والتجاوز والتعدي على حدوده أمر عظيم تنخلع له قلوب المؤمنين الصادقين .. إنه كما قال سلفنا: ” لا تنظر إلى صغر الذنوب ولكن انظر إلى عظمة من عصيت “، وكان أحدهم يقول: ” إن الكافر يرى الذنب كذبابة جاءت على أنفه فقال بها هكذا – أي لا قيمة لها ولا يكترث بها ولا يصيبه الغم مما وقع فيه من المعاصي – أما المؤمن فإنه يرى الذنب كالجبل يوشك أن يقع عليه “، فلا يزال في هم منه وفي استغفار دائم لله – عز وجل – منه وفي سعي دائب ودائم على أن يكفر ذلك الذنب وأن يجدد التوبة وأن يصحح النية لله عز وجل وأن يستزيد من الخيرات والطاعات  .

 أيها الطائعون لا ترتدوا على أعقباكم بعد رمضان فتنقلبوا خاسرين واحفظوا عهودكم مع مولاكم.

إنه ينبغي لنا أن ندرك أن الحرمان من الطاعة بعد التوفيق إليها وأن الوقوع في المعصية بعد الاعتصام منها نوع من عدم رضوان الله – عز وجل – على العبد ونوع من حرمانه من قبول العمل ؛ لأن الله – عز وجل – قد وعد ووعده الحق أن الطاعة تولد الطاعة، وأن الذي يجاهد في سبيل الله وطاعته أنه عز وجل يسهل له الطريق ويمهد له السبيل { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } هكذا وعد الله عز وجل ؛ فإن كنا صادقين في جهادنا لأنفسنا واجتهادنا في طاعة ربنا ؛ فإن الله – عز وجل – يسَّر لنا أمرنا وجاعل لنا عاقبة أمرنا خيراً لنا من عاجلتنا وجاعل خير أعمالنا خواتيمها وجاعل كل يوم من الأيام زيادة في الخير والطاعة والقرب له سبحانه وتعالى .

ولذلك ينبغي لنا أن نتذكر أن الارتداد على الأعقاب وأن المخالفة بعد الطاعات، وأن الوقوع في المعاصي بعد المداومة على الخيرات هو من أعظم البلاء، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن القيم رحمة الله عليه: ” إن أعظم ما يبتلى به العبد وقوعه في الذنب، وأعظم من ذلك أن لا يشعر بأثر الذنب فذلك موت القلوب”.

وهو أعظم بلية يبتلى بها الإنسان في هذه الدنيا ـ نسأل الله السلامة ولنعلم أيها الإخوة أن الأيام تنقضي، وأن الأعمار تفنى، وأن الأجل يقدم، وأن الإنسان إذا وفق للطاعات اليوم فقد يحرم منها غداً إما بمرض أو بعجز، وإما بقهر وإما بسبب من الأسباب “واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون”.

ولنعلم أن هذا الأمر الذي يقع فيه كثير من الناس عاقبته إنها تعود على الإنسان نفسه، فالله عز وجل غني عن طاعة الطائعين مستغن عن عبادة العباد قال جل وعلا في الحديث القدسي الصحيح المعروف: ( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً )، هو سبحانه الغني ونحن الفقراء إليه فإن أطعناه في ذلك طمأنينة في قلوبنا وانشراح لصدورنا وسعادة لنفوسنا وبركة في أموالنا وأوقاتنا وذرياتنا وحسن عاقبة في آخرتنا بإذن الله عز وجل .

رب رمضان هو رب الشهور كلها، فنحن عباد لله ولسنا عبادا لشهر رمضان.

وإن عصيناه – لا قدر الله – فإن ذلك ظلمة في القلب وضيق في الصدر وهم وغم وتوالٍ للبلاء وتوالٍ وتكرر لما يقضيه الله عز وجل من فتنة ومحنة ؛ لأن الله – عز وجل – قال: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا } فكيف لو أراد الله – عز وجل – قضى أن يعاقب كل أحد على معصيته لكان كما قال الله جل وعلا: { ما ترك على ظهرها من دابة }، وقال الله جل وعلا: { فمن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً } إنما هو المتضرر هو أنت – أيها العبد المؤمن – كيف ترضى بعد الغنيمة في مواسم الخير أن تعود خاوي الوفاق وان تتحمل الديون من جديد، إن هذا التاجر الذي يصنع هذا الصنيع لا شك انه أحمق وأنه يجني على نفسه جناية عظمى وأنه يكون عند الناس غير مرضي عنه ولا مقبول عمله .

ثم انظروا ما ساق الله لنا في هذا الشهر الكريم . انظروا ما كنا عليه بحمد الله عز وجل مما ينطبق بإذنه سبحانه وتعالى وصف وشهادة الحق في قوله: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين }، هذه الشهادة كنا ننالها بحمد الله ونحن نأتي إلى المساجد زرافات ووحداناً ونحن نتسابق إليها مع آذان المؤذن وقبل دخول الوقت ونحن نمكث فيها نظل فيها أوقاتاً طويلة ويعتكف المعكفون ويتهجد المتهجدون ويتطوع المتطوعون .
فكيف بنا بعد ذلك نتخلى عن هذا الخير وقد يصدق في بعضنا قول الله جل وعلا { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً } ما بالنا أيها الأخوة وقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام بالمثوبة والأجر في هذا العمل العظيم والركن الركين، والأساس المتين في هذا الدين، ثم بعد ذلك نفرط هذا التفريط وكنا في هذا الشهر بحمد الله – عز وجل – ممن يخاطبون، يقول الله جل وعلا: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فهل ننتكس بعد ذلك ونرتكس ويكون حالنا كمن قال الله – جل وعلا – في شأنهم عن المنافقين: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ـ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ـ فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون.

 لا تغفلوا عن التكبير ليلة العيد، ولا تجعلوا أيام العيد محرقة للحسنات.

لا ينبغي لنا أن ننزل عن مرتبة المنفقين المسارعين في البذل والإنفاق حتى نصل بعد ذلك وفي نهاية الشهر إلى الوصف الذميم الذي ذكر النبي عليه الصلاة والسلام كما في مسند احمد ( أن المؤمن يطبع على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة )، وقد ذم النبي – عليه الصلاة والسلام – البخل والشح فينبغي لنا أن نبرأ من هذا الداء العضال وقد تبرأنا منه طيلة الشهر فلا ينبغي لنا أن نعود كما قال جل وعلا: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً }، وكيف بنا  وقد كان لنا عظيم الصلة بكتاب الله – جل وعلا – وكنا مقبلين على تلاوته نرطب به ألسنتنا، ونمتع به أسماعنا، ونحيي به قلوبنا، ونتذكر به أوامر ربنا، ويحق فينا بإذنه قوله جل وعلا:{ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور }، وكنا بحمد الله – عز وجل – ممن يصدق فيهم وصفه سبحانه وتعالى:”وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً“، فكيف بنا بعد ذلك نرتد للقرآن هاجرين وعن آياته منقطعين وعن أوامره غافلين وقد يصدق في بعض منا قوله جل وعلا:” وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم“.

  وقبل هذه الآية ما يدل على كيفية استبدال الناس بالقرآن بغيره من الغناء ومن اللهو والعبث ومزامير الشيطان، فقال جل وعلا: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } هكذا – أيها الأخوة – مفارقة عجيبة ليس بينها في الزمن إلا يوم واحد أو ليلة واحد يكون فيها الناس على الخير مقبلين وبعد ذلك مباشرة يكونون عنه نافرين .. يكونون في طاعة الله – عز وجل – ورحمته ورضوانه ثم ينسلخون ويفرون إلى معصيته وسخطه وعقابه واستحقاق نيرانه، إنها وصية يذكرنا بها رمضان في آخر يوم من أيامه “ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين”  .

الوققفة الثانية: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً

وما ينقضي رمضان و لا تأتي أواخر أيامه إلا وقد انعقدت القلوب على معاهدات كثيرة مع الله عز وجل، من معاهدة على ترك المنكرات، ومن معاهدة عل فعل الخيرات والطاعات ومن معاهدة ومعاهدة، فكيف بنا لا نفي بوعدنا وعهدنا مع الله عز وجل { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً }، ومثوبة عظيمة من الله عز وجل: { ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً }، { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين”.

 لا تعطلوا المساجد ولا تهجروا كتاب الله واجعلوها البداية وليست النهاية.

إنها المرابطة على طاعة الله عز وجل إنه الإتيان بموجب العهد والعقد الذي وجد في قلبك ونطق به لسانك وتاقت إليه نفسك أن تكون مع الله – عز وجل – ليكون الله – سبحانه وتعالى – معك بإذنه – جل وعلا – ولا يكن أحدنا كما وصف الله اليهود عليهم لعائن الله:”أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون“.

الوقفة الثالثة: خير الأعمال أدومها وإن قلّ

لأن النبي – عليه الصلاة والسلام – يبين لنا أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، و قليل دائم – أيها الإخوة – خير من كثير منقطع، نحن نعلم أن النفوس في هذا الشهر باجتماع المصلين والذاكرين، وبفضيلة الزمان وبغير ذلك من الأسباب تنشط بالطاعات بصور أعظم وأكبر، لكنها ينبغي أن تبقى الحد الأدنى الأقل الذي تستطيعه وتواظب عليه ؛ فإن الله سبحانه وتعالى يحب من العبد إذا أحدث عبادة وطاعة أن لا ينقطع منها وكان سلفنا الصالح إذا سارعوا في طاعة واظبوا عليها وكان أحدهم في كل يوم يزيد عن اليوم الذي قبله في الخير والطاعة .

الوقفة الخامسة: إن الحسنات يذهبن السيئات

يـقول الحق جل وعلا:{ أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } وقد أقمنا بحمد الله الصلوات آناء الليل وأطراف النهار وملأنا الأوقات بالأذكار والاستغفار وشغلنا اللسان بالدعاء والابتهال، وأحيينا القلوب بمعاني الإيمان ومشاعر الإسلام كل ذلك كان أيها الإخوة ونحن نحسن الظن بالله – جل وعلا – كما قال في الحديث القدسي: ( أنا عند حسن ظن عبدي بي ) نحن نأمل ونرجو أن تكون هذه الحسنات قد كفرت ما سلف ومضى من السيئات، فلنبدأ صفحة جديدة مع الله سبحانه وتعالى .

ولنبدأ أياماً جديدة نجدد فيها العهد ونواظب فيها على العمل لا نرتد فيها على أعقابنا نشعر بوحدتنا مع إخواننا ونشعر دائماً أننا في حاجة إلى الاستغفار وتكفير السيئات وتكثير الحسنات، فذلك باب عظيم من الأبواب العظيمة في حياة المؤمن والله عز وجل قد جعل لنا في أيام شهرنا نفحات نتعرض لنفحات الله لنتطهر من الذنوب والآثام والخطايا: ( رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر )، إذاً قد نثق إن شاء الله بتكفير الذنوب والخطايا ولكنا نحتاج بذلك أن نستقبل أيامنا إستقبال الطاعة والإنابة والمسارعة إلى الخيرات.

الوصية السادسة: أن نجدد رمضان في أيامنا

لم ننقطع عن الصوم وقد فتح الله لنا أبواباً من الخير عظيمة، وقد جعل أبواب التطوع كثيرة نلقى بها الأجر ونستفيد التربية والتهذيب الإيماني والخلقي من الصوم، ويباعد الله عز وجل بيننا وبين النار وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام وطبق في حياته كثيراً من السنن المتعلقة بصيام التطوع من صيام يومي الاثنين والخميس، كما في حديث عائشة في مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم الاثنين والخميس، وفي سنن الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم).

 على رب الأسرة أن لا يهمل مراقبة لباس بناته في العيد، حتى لا يقعن في مخالفات شرعية  يتحمل وزرها يوم القيامة.

ومن باب التذكير أيضاً وذلك تجديد وإبقاء لمعاني رمضان وعبادة رمضان في سائر العام لما ورد في الحديث الصحيح من حديث أبي أيوب الأنصاري عند الإمام مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر كله ) فهل نحن في غنى عن فضل ربنا ؟ وهل نحن قد ضمنا وأمنا من مكر ربنا ؟ وهل نحن قد استغنينا عن الحسنات وعن المسارعة إلى الخيرات .

ينبغي لنا أن نحرص ولو في الشهر ثلاثة أيام ولو في الشهر يوماً واحداً أن نصوم لنتذكر رمضان ونتذكر معاني رمضان ونلقى الأجر من الكريم المنان سبحانه وتعالى، ما بالنا ننقطع عن رمضان كأنه سحابه صيف مرت وليس لها أثر، وكأنه فترة من الزمن ليس لما قبلها ولما بعدها ارتباط بها ! إن المؤمن ينبغي له أن يتذكر وأن يرتبط بالعبادة بكل صورة وسبب . 

أعمال ليلة العيد

       لما كانت المغفرة والعتق من النار، كل منهما مرتباً على صيام رمضان وقيامه، أمر الله سبحانه وتعالى عند إكمال العدة بتكبيره وشكره فقال سبحانه:” ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون[6] فشكر من أنعم على عباده بتوفقيهم للصيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعقتهم من النار: أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته، وقد فسر ابن مسعود رضي الله عنه تقواه حق تقاته:” بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر”[7].

       والتكبير مشروع من غروب شمس يوم العيد إلى صلاة العيد، يجهر به الرجال في المساجد والأسواق والبيوت كما كان السلف يفعلون.

       ومن السنة: أن يأكل قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر تمرات وتراً، ثلاثاً، أو خمساً، أو اكثر من ذلك، يقطعها على وتر؛ لقول أنس بن مالك رضي الله عنه:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً”[8].

       ويخرج النساء لصلاة العيد غير متبرجات بزينة ولا متعطرات، يحضرن الصلاة والذكر.

       ومما يلزم التنبيه عليه أن بعض الناس يهمل أهله وبناته في لباسهن، فيكون فيه مخالفات شرعية، يخرجن يوم العيد يفتن الناس، وسيسأل عن إهماله هذا يوم القيامة، فيجب على من استرعاه الله نساءه أن يطلع على لباسهن للعيد، فإن كان موافقاً للشرع وإلا منعهن من لبسه، حماية لهن من الوقوع في الإثم، وأداء للأمانة التي حمله الله إياها.

       ولا ننسى أن نذكر أحبائنا بأن يجعلوا الحسنة تلحق الحسنة وخير ما نلحق به رمضان من الأعمال الصالحة صيام ستة أيام من شوال، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر” وفقنا الله وإياكم أن نكون من أهل الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.  

 

[1] حلية الأولياء 3/69

[2] حلية الأولياء 2/378

[3] الأنفال:70

[4] الحجر: 99

[5] اللطائف: 382

[6] البقرة: 185

[7]  تفسير ابن أبي حاتم 3/446

[8] أخرجه البخاري/ 953