بقلم : د.جاسم محمد مهلهل الياسين

 

رفع الجهل :

من أسباب الخواء الروحي الجهل، إذ الإنسان الجاهل يخبط ويتخبط على غير هدى، ولا يدري غايته ولا جهته فتراه ذا خواء وفراغ لا يسده إلا أن يتعلم أو أن يقود نفسه إلى المهالك .

وصدق ابن حزم لما قال :

إنما العلم أساس                          فوقه الأخلاق سور

فتحلى العلم بالعقل                      وإلا فهو بور

جاهل الأشياء أعمى                     لا يرى أين يدور

وقال رحمه الله تعالى : “لو لم يكن في العلم إلا دفع ألم الجهل لكفى”.

لأن الإنسان العالم يكون مطمئناً منسجماً مع نفسه وواقعه، حفيف الظل وبهيج النفس غير ذي خواء .

وتلك من فضائل العلم، حتى إن نبي الله يوسف لما كان عالماً كاد الله له، ودفع سيدنا يوسف عن نفسه بعلمه ألم فراق أخيه، وامتدح الله له حيلته في أخذ أخيه بقوله تعالى – بعد أن ذكر وضع السقاية في رحل أخيه – “وكذلك كدنا ليوسف في الأرض نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم” .

وقد حث الإسلام في آيات كثيرات على العلم وجاءت السنة النبوية حاثةً على العلم في جل مواقفها ومن ذلك قوله تعالى “وقل رب زدني علماً” .

وقوله سبحانه “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات” .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم “طلب العلم فريضة على كل مسلم” .

وقال أيضاً “من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة” .

وقال “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاءً بما يصنع” .

وجاءت أثار السلف كذلك تحض على العلم في مواقف كثيرة .

والحاصل أن العلم من أهم الأسباب علاج الفراغ الروحي عن طريق :

  1. الإشباع الفكري :

يما يفيد العلم حيث يملأ فراغ الفكر ويهديه إلى الصواب فيقر الإنسان العالم وينسجم مع نفسه .

  1. دفع الوسواس وألم الجهل :

وهذا بدوره يؤدي إلى الراحة والسكون والطمأنينة والأمن والتي بدورها تزيد من حالة الإشباع والامتلاء الروحي .

  1. إقناع النفس وتهدئتها بالمنطق والتأمل :

وهذه من أدوار العلم الكبيرة حيث إنه يولد لدى الفرد قناعات ويقيناً راسخاً يفضي إلى الهدوء والسكينة والإشباع الروحي سواء كان ذلك عن طريق الإقناع العقلي بالحجة والبرهان أو عن طريق إثارة حاسة التأمل والتفكر ومن ثم الانسجام والإقناع النفسي .

الاستعداد للآخرة :

مما يملأ الروح ويشبعها ويؤنسها الانشغال بالآخرة والاستعداد لها، وقد جاءت أحاديث النبي كالعقود والنضيدات، لا تعلق على صدر إلا وأذهبت خواءه الروحي وأحلت محله الأنس بالله والامتلاء بنوره سبحانه.

ومن هذه الآثار التي نذكرها في الاستعداد للآخرة :

  • عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال :” أخذ رسول الله بمنكبي فقال:كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” .

وكان ابن عمر يقول : “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”(رواه البخاري).

  • وكان النبي-صلى الله عليه وسلم- يقول:”ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها” (رواه أحمد 1/391، الترمذي برقم (2377) وقال حديث حسن صحيح ).

ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه قال لهم “من ذا الذي يبنى على موج البحر داراً، تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قراراً” ( الزهد للإمام أحمد ص93) .

وكان سيدنا علي بن أبي طالب يقول “إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء لآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل” .

  • وقال عمر بن عبدالعزيز في خطبته : “إن الدنيا بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء وكتب على أهلها منها الظعن، فأحسنوا –رحمكم الله- منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى” ( الحلية لأبي نعيم الأصفهاني 5/292) .

اغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات :

سبق أن ذكرنا أن هناك ارتباط وطيد بين الخواء الروحي وسعة الوقت، وعدم الحكمة في تصريفه والاستفادة منه، وصدق القائل :

إن الفراغ والشباب والجدة                مفسدة للمرء أيّ مفسدة

وقال أيضاً :

تحرى فيما تطلب والبلاغا                واغتنم الصحة والفراغا

وعليه فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإفادة من الوقت واستنفاده في طاعة الله وإشباع الروح بحبه والأنس به، فقال صلى الله عليه وسلم “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ” .

وقد جاءت الآثار عن السلف كثيرة في الحث على اغتنام الأوقات، فهذا الحسن البصري يقول “إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك، يا ابن آدم إنما أنت بين مطيتين يوضعانك يوضعك النهار إلى الليل ، والليل إلى النهار، حتى يسلمناك إلى الآخرة” .

وقال داود الطائي : إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زاداً لما بين يديها فافعل فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو، والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك .( انظر الحث على اغتنام الأوقات بالأعمال الصالحات لابن رجب الحنبلي ص4 ) .

وكتب بعض السلف إلى أخ له : يا أخي يخيك لك أنك مقيم، بل أنت دائب السير، تساق مع ذلك سوقاً حثيثاً، الموت موجه إليك والدنيا تطوى من ورائك، وما مضى من عمرك فليس بكار عليك

سبيلك في الدنيا سبيل مسافر            ولابد من زاد لكل مسافر

ولابد للإنسان من حمل عدة                    ولا سيما إن خاف صولة قاهر

وقال بعض الحكماء كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وسهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته .

وقال الفضيل بن عياض لرجل : كم أنت عليك؟ قال : ستون سنة .قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك، يوشك أن تبلغ . فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون . فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ تقول: أنا لله عبد وإليه راجع فمن علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً. فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال : يسيرة. قال : ما هي . قال : تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضى وبما بقى . ( الحث على اغتنام الأوقات ص4) .

الإيمان القوي بالله ( اليقين ) :

وهذا سبيل مكين من سبل الإشباع الروحي، لأن الروح لا تأنس ولا تقر ولا تتشبع إلا بأن تؤمن بالله حتى إن الأديان الباطلة تفيد أصحابها في اشباع حاجاتهم الروحية، والقضاء على الخواء الروحي لديهم، فما بالنا إذن بالدين الحق والإيمان الصادق والصحيح .

وقد فطر الله النفوس على الإيمان والاعتقاد به سبحانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن رب العزة ( خلقت عبادي كلهم حنفاء … ) وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- :”كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يمجسانه أو يهودانه أو ينصرانه” .

ولذلك فإن أهل الإلحاد لا يقر لهم قرار ولا تتشبع أرواحهم ولا تأنس ولا تركن إلى الراحة وإن أحاطتهم النعم من كل مكان وذلك لأن غذاء البدن وكسائه لا يغني شيئاً لأنه ظل زائل وإلى فناء، بينما قوت الأرواح هو الباقي وهو الدائم وصدق الله إذ يقول (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) .

أثر الإيمان في الإشباع الروحي :

الإيمان من أهم مصادر الإشباع الروحي عن طريق :

  • 1) بث الطمأنينة في النفس، وإشباعها بحب خالقها والاعتقاد الصحيح فيه قال تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً) .
  • 2) تأمين الروح من المفازع والمؤرقات وذلك سبيل لا يستطيعه الشعر ولا الغناء ولا شئ من عالم المادة وإنما هو قوت رباني إيماني يتصل بالملأ الأعلى يلائم الروح، قوت قوامه حب الله الباقي (كل شئ هالك إلا وجهه) .

وإذا بلغت الروح منازل الحب لله والاعتقاد فيه سبحانه، فإنها تتحلى بالأمان وتكتسى ثوب الطمأنينة كما قال تعالى (يا عبادي الذين آمنوا لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) وقال سبحانه (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) .

اللجوء إلى الله دائماً :

لا شك أن البشر محكومون بقوانين اللذة والألم، وقد يضعفون مع المتاعب إلى حد الهوان … وقد يشتدون مع المنافع إلى حد الطغيان …

وفي كل فهناك فراغ وخواء روحي جاثم على نفوسهم يزيد الهوان هواناً، أو يزيد الطغيان طغياناً، ولا يندفع هذا الخواء والفراغ إلا باللجوء إلى الله والوقوف ببابه .

وقد ركز الله في طبيعتنا ضعفاً فطرياً مهما حاولنا أن نستره فهو لا يزال يظهر بين الحين والآخر قال تعالى (وخلق الإنسان ضعيفاً) .

كما أن الآلام تكشف الضعف الإنساني وتدفع بالبعيد عن الله إلى مزيد من الهواية وفيض من الخواء يغدو معه حيران يتخطفه الشيطان .

بينما تدفع بالمؤمن العاقل إلى الوقوف بباب الله وحسن اللجأ إليه سبحانه وله في رسول الله خير أسوة وأفضل قدوة، فينهج نهجه ويسلك دربه .

اللجوء إلى الله يدفع الخواء النفسي :

نعم إذا وقف المسلم على باب ربه وأذعن له ورغب إليه أورثه الله أنساً به، وتلذذا بعبادته، واستغناء به عن غيره سبحانه، وهؤلاء الصالحون والعابدون كانوا يقولون ( إنا لفي لذة لو عرفها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسهام ) .

وكانوا يقولون ( من ذاق عرف، ومن حُرم تلف ) .

وقال أحدهم :

يا مؤنسي بذكره

ومن فؤادي موكل

لأمره ونهيه

وقال الآخر :

الله يعلم أني صرت في سعة              أرضى القليل ولا أهتم بالقوت

وشاهد خالقي أن الصلاة له                    أحب عندي من در وياقوت

الاقتداء برسول الله في اللجأ إلى الله يدفع خواء الروح :

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عظم عليه خطب واشتد به فزع لجأ إلى الله، وطالت ضراعته، واتصلت وقفته بباب ربه، فكيف بخواء أو فراغ روحي أن يتسرب إلى من يتبع رسول الله في اللجأ إلى الله ؟‍

وعن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا راعه شئ قال ( هو الله، الله رب لا شريك له )، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه عند الفزع، وبداية دبيب الخواء إلى نفوسهم أن يقولوا ( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون) .

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقاً أصابني فقال ( قل اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حيّ قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم … يا حي يا قيوم اهدئ ليلي وأنم عيني ) قال زيد : فقلتها فأذهب الله عزوجل عنّي ما كنت أجد .

وهكذا كان حال رسول الله مع أصحابه معلماً ومرشداً أو آخذاً بيدهم إلى الله ليدفع عنهم خواءهم وأرقهم ويداوي علاجات نفوسهم وعلل أرواحهم ( انظر فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء للشيخ محمد الغزالي ص77-78-81) .

تعليم الرسول لأصحابه دفع خواء الروح بالدعاء واللجوء إلى الله :

علم رسول الله أصحابه – كما سبق – أن يدفعوا أرقهم وفزعهم باللجوء إلى الله، وهذه نماذج من تلك الدعوات الرقيقات المشعات حباً والمعبقات حنيناً وإذعاً لله تدفع خواء الخاوين، وتلهب مشاعر المطيعين

” اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي “

” اللهم اهدني وسددني “

” اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وضلع الدين، وغلبة الرجال ” .

” اللهم إني أعوذ بك  من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها ” .

 ” اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك وجميع سخطك” .

” اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليّها ومولاها” .

” اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار ” .

( انظر فن الذكر والدعاء ص81) .

ممارسة العبادات وتأملها وملاحظة معناها :

نعم هذا مسلك عظيم من مسالك دفع الخواء الروحي، حيث ينبغي للعاقل أن يقبل على الله عند ممارسة طقوس العبادة بقلبه وعقله وخاطره ..

لا أن يمارس العبادة بجسده وحركاته وسكناته، فالله لا تناله الحركات أو السكنات وإنما يناله التقوى سبحانه والتقوى مكانها القلب والقلب يحركه العقل، وعبادة دون عقل وقلب لا تساوي شيئاً ( وليس لا مرئ من صلاته إلا ما عقل منها ) .

رسول الله يعلمنا الاشباع الروحي في ممارسة العبادات :

نهم بما أن رسول الله قدوتنا، وهو إمامنا، وقائد دربنا، فلنلتمس من سيرته خيوطاً تهدى إلى دفع خواء الروح .

  1. تأمل الصلاة يدفع خواء الروح :

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقف في الصلاة استكان لربه، وتوجه إليه بقلبه وعقله وروحه ومشاعره وخواطره وبكينونته كلها، فكان يجعلها ميداناً للسياحة الروحية مع الله، ولذلك جعلها النبي شارة التقوى ومظهر الخضوع والتودد، وشعار الولاء لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين” .

وكان يقول أيضاً “لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك” .

وهكذا كان مفتتحة للصلاة بمثل هذه الدعوات المنيرات التي تشبع الروح وتفتح مغالق حجببها عن الله وتدفع الوحشة عن القلب وتدفع بالأنس والدفء والسكينة إليه .

وتأمل معي حاله حين سجوده حيث ربما يقول ( سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة … ) .

وهكذا كانت صلاته صلى الله عليه وسلم دائماً، وقد حث المؤمنين على الاقتداء به فقال ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .

بل كانت الصلاة تشبع حاجات الأجسام مع اشباعات الروح إذ من يلجأ إلى الله بروحه يقضي الله له حاجة روحه وجسمه معاً، وقد علم النبي أصحابه ذلك حيث وجههم عند حلول عسرة أو اضطراب أمر واختلاطه أن يفزع إلى الصلاة يستفتي ربه، ويحط برحاله الروحية عنده ( وتلك هي صلاة الاستخارة ) فعن جابر بن عبدالله قال : كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن يقول ” إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب .. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري … فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري .. فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، ويسمي حاجته” .

وهكذا تغدو الصلاة ميداناً لإشباع الروح، وإشباع حاجات النفوس، وبهذا يندفع خواء الأرواح وتحل محله الأفراح .

  1. الصيام ( ميدان لإشباع الروح وتطهير النفس ) :

الصيام عبادة قلبية وروحية في المقام الأول، وإن بدت للعيان أنها عبادة جسدية حيث ينقطع الإنسان عن الطعام والشراب والجماع منذ أذان الفجر وحتى حلول أذان المغرب .

وسيرة رسول الله تبين عن تلك المسلمة أن الصيام ميدان لإشباع الروح وتطهير النفس، وهذا القرآن يوثق هذه الحقيقة بقوله تعالى ( وكتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) .

ولذلك فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على تجنب الرفث والفسوق والمعاصي حال الصيام خاصة، لأن المقصود بالصوم معناه لا مبناه وصورته فقال ( … الصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل أني صائم ) رواه البخاري ومسلم

وقال أيضاً :”من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” متفق عليه

وكان يقول إذا رأى هلال رمضان ( اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله هلال رشد وخير ) رواه الترمذي وقال حديث حسن .

وقال أيضاً :”من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” رواه البخاري .

وهكذا تدور هذه الأحاديث وغيرها في سياق غاية الصوم وهدفه ومعناه وفحواه، بأن يطهر الروح ويشبعها ويورثها التقوى إذ الإنسان الصائم قليل التعلق بالجسد يخلص لروحه وعقله ويرقى مراقي الملائكة إذ شابههم في علوه عن اللذات والماديات وإذا خلصت الروح وصفت وتفكرت في ربها فإندفع عنها خواؤها وزال ما بها من مؤرقات، واضطرابات فتسكن بالطاعة وتستريح بها .

ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الصائم أن الملائكة تصلى عليه فعن أم عمارة الأنصاري أنها كانت صائمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” إن الصائم تصلى عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا” رواه الترمذي .

  1. الحج رحلة لتطهير الروح وإشباعها

الحج ليس جامداً أو هو مجرد طقوس يؤديها المرء وهو في خواء وفراغ منها، وإنما هو مشاعر ذات دلالات ولفتات روحانية ومفاتح لخزائن من العواطف الدينية الدافعة والجياشة ومن ثم كان الارتباط بها ركناً في الدين” .

إذ تنطلق قوافل الحجيج براً وبحراً وجواً صوب البيت العتيق مقبلة من القارات الخمس، وفي الأفئدة شوق وفي العيون بريق وفي النفوس تعظيم ومهانة وهنا يتحقق قوله تعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) .

وقد يظن بعض الحمقى من المبشرين وغيرهم أن شعيرة الحج جامدة غير معقولة، وأن الكعبة والحجر الأسود أحجار صماء لا دلالة وراءها .

كذبوا وإنما الحج توحيد وعواطف من الحب لله والسياحة في عالم الآخرة وتطهير للروح، وتنقية للنفس وما أروع ما يظهر ذلك في التلبية التي هي معان مفعمة بالإخلاص والتوحيد والمحبة لله (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك … ) .

انظر فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء ص106-107

وهذا هتاف إيماني يزداد هديره كلما علا الحاج ربوة أو هبط واد، وكلما أظلتهم هدأة الليل، أو سكينة السحر فليشعر الملبي أن الكون كله يتجاوب معه مصداق ما ورد في الحديث (إذا لبى الحاج لبى ما عن يمينهن ويساره من شجر وحجر ومدر حتى منقطع الأرض من هاهنا، وهاهنا ).

وهكذا يملأ الروح الإيمان، وتغشاها الطمأنينة فتسكن وتتشبع وتركن إلى ربها، ويندفع عنها خواؤها وتأمن خير أمن

وصدق الله إذ يقول عن روح مشاعر الحج ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً … ) .