بقلم الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين .

 

إن السعادة الدنيوية والأخروية قائمة على الاعتصام بالله تعالى وبحبله المتين، وأنه لا نجاة إلا لمن تمسك بهما ولذلك قال الله تعالى:”واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ” فالمراد بالحبل: الكتاب والسنة على سبيل الاستعارة والجامع كونهما سبباً للمقصود وهو الثواب والنجاة من العذاب، كما أن الحبل سبب لحصول المقصود به من القى وغيره. ([1])

ومن المقرر أن الأنسان مريد وعامل له قدرة، وله عاطفة وفكر، كما له قلب وعقل، وعلى هذا فإن لكل إنسان بواعت كامنة في قلبه يطلق عليها”الإرادة”و”العزم”و”النية”و”القصد”و”عمل القلب”، وهناك تنفيذ لهذه الأشياء بالجوارح والحركات الظاهرية يطلق عليها “القدرة”و”التنفيذ”و”العمل”، وبناءاً على ما ذكرنا يتبين أنه لا بد لقبول العمل الصالح من توفر شرطين لكل من الإرادة والعمل وقد ذكرها ابن العباس رضي الله عنهما فقال: لا بد للإرادة من الإخلاص ولا بد للعمل من موافقة الشرع .

وحديثنا هنا يتعلق بالشرط الثاني المتعلق بالعمل وهو”موافقة الشرع ” الذي هو الفيصل بين البدعة والسنة، كما سيكون التركيز على بيان كل من مدرسة الإمام الفرين السلام سلطان العلماء، وما ورد في كتابه قواعد الأحكام، وفتاوى الفرين بن عبد السلام، ومدرسة الإمام الشاطبي، وما ورد في كتابه الاعتصام، وتحرير القول في تعريف البدعة في كل من المدرستين سيسهل عليناالوصل إلى تحرير محل النزاع، ومن ثم الاتفاق بعد ذلك على المصطلح حتى لا نتخاصم في تطبيقات القاعدة وفروعها، ونحننتفق بعد على المراد بمصطلح”وكل بدعة ضلالة” ولسهولة الدخول في الموضوع سنبدأ بالتعريفات الداخلة في مبحث البدعة.

أولاً السنة:_

استعملت كلمة السنة في الإصطلاح الشرعي على طريقتين:

الأولى: عامة شاملة كما قال شيخ الإسلام بن تيمية عليه رحمة الله:”السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه، بأنه طاعة لله ورسوله” سواء فعله رسول الله r  أو فعل على زمانه ولم يفعله، ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضى حينئذ لفعله أو وجود المانع منه، فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة، وهي المراد بقوله صلى الله علهي وسلم :”عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وتمسكوا بها وعضو عليها بالتواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كا محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة([2])” وهذا المعنى العام يطلق فيراد به القرآن الكريم والحديث النبوي والآثار السلفية كمثل حديث”عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين” وكمثل قوله:”فمن رغب عن سنتي فليس مني” ويطلق ويراد به ما جاء منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم  خصوصاً غير القرآن الكريم.

قال الإمام الشاطبي في الموافقات: يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته_عليه الصلاة والسلام_ ويطلق أيضاً في مقابلة البدعة فيقال”فلان على سنة” إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطلق أيضاً لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب والسنة أو لم يوجد، لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم ولم تنقل إلينا، أو إجتهاداً مجتمعاً عليه منهم، أو من خلفائهم، فإن في إجماعهم إجماع وعمل خلفائهم راجع أيضاً إلى حقيقة الإجماع، من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم.

فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المريلة والاستحسان كما فعلوا في حد الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصحف، وحما الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين، وما أشبه ذلك ويدل على هذا الإطلاق قوله_عليه الصلاة والسلام_:”عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين…([3])

(وبهذين المعنيين عرفت كلمة السنة في الرعيل الأول وبها اصطبغت الكلمة في المفهوم الإسلام في عصر النبي_ صلى الله عليه وسلم _ وعصر الصحابة والتابعين…)([4]).

(وهي على هذا المعنى شاملة للواجب والمندوب والمباح سواء كانت من قبيل الأعمال أو الأقوال أو الاعتقادات وما كان السلف يطلقون اسم السنة إلا بهذا المعنى)([5]).

يدخل في ذلك السنة الفعلية والسنة التركية، ويخرج منه ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم  كالوصل ؟؟؟؟؟ في أكثر من أربع وما فعله على سبيل الاتفاق أو كان أمراً جبلياً محضاً، والمقصود أن السنة التي تعنينا في هذا البحث هي الطريق المسلوكة في الدين بأن سلكها رسول الله r أو السلف الصالح من بعده([6])، وهي ما وافقت الكتاب والحديث وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات وتقابها البدعة.

المسكوت عنه في الشرع

  • الأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر.
  • الأصل في العقود والمعاملات الصحيحة، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم([7])ولذلك فالسنة كما أنها تكون بفعله صلى الله عليه وسلم ، وتقريره فإنها تكون بسكوته كذلك، وهذا ما يسمى بـ”السنة التركية” وهي:”أن يسكت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفعل غير الجبلي مع قيام المقتضى وعدم المانع”.

ثانياً البدعة:_

  • ذمها في الشرع

لقد تعاضدت الأدلة من الكتاب والسنة والآثار في ذم البدع، وهنا سنذكر بعض ما ورد

** من القرآن:_

  • قال تعالى:”هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتغاء تأويله([8])
  • وقوله تعالى:”وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون([9]).
  • وقوله تعالى:”وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا([10])

**ومن أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:_

  • قوله صلى الله عليه وسلم:”….. أما بعد فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة([11])
  • وقوله r :”من أحدث من أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد([12])
  • وقوله r كما في حديث العرباض بن سارية:”أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كبيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة([13])

ومن الآثار :_

  • عن ابن عباس رضي الله عنهما_ قال:”عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع”([14])
  • وعن ابن مسعود_ رضي الله عنهما_ قال:”اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم كل ضلالة”([15])
  • وروى الإمام أحمد في الزهد بسنده عن الحسن البصري أنه قال:”اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم وإياكم ما أحدث الناس في دينهم فإن شر الأمور المحدثات”([16])
  • وقال أيوب السختياني:”ما إزداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا إزداد من الله بعداً”([17])
  • المراد بالبدعة:_

المعنى اللغوي :

البدعة مصدر بدع ولهذه الكلمة في كتب اللغة ذكر يتناول أصل استخدامها عند العرب وهما أصلان:

الأول: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال .

الثاني: الانقطاع والكلام ([18])

فالأول: يتفق تماماً على البدعة بالمعنى الشرعي، لأنها إحداث في دين الله، وإبتداء أشياء في الشرع لا دليل عليه منه، واختراع ما يضاهي المشروع بما ليس له ذكر فيه وبما ليس عند فاعله معرفة ولا برهان “فإن جميع البدع إنما هي رأي على غير أصل”([19])

الثاني: ينطبق على البدعة بالمعنى الشرعي، إذ المبتدع حين ينشيء بدعته مضاد للشرع ومراغم له”حيث ينصب المبدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب الملتقى بما حد له”([20])، ويقول أهل اللغة كذلك أن”الإبداع لا يكون إلا بظلم” ويقولون:”أبدعت به راحلته أي ظلعت”([21])، وهذا المعنى ينطبق على الابتداع في دين الله، إذ البدعة ظلم واعوجاج في نفس صاحبها وفي عمله.([22])

وعلى هذا فالبدعة : فعل أو ترك بقصد القربة لله تعالى، مما ليس له أصلاً يحيي الشريعة سواء كان ذلك في القصائد أو الأحكام وفي العادات أو العبادات، وللعلماء أقوال تتفق مع هذا التعريف كلياً أو جزئياً .

قال شيخ الإسلام بن تيمية:”فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن الله”([23])

ويقول الشيخ حسن البنا: وكل بدعة في دين الله لا أصل لها إستحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو بالنقص _ ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي تؤدي إلى ما هو شر فيها ([24])

  • الابتداع:_

مصدر للمضارع ابتدع يبتدع، ويطلق على الاستخراج للبدعة أي أن إيجاد البدعة وإحداثها يسمى ابتداعاً([25])

  • المبتدع:_

اسم فاعل دال على الحدث وفاعله، ويراد به الذي وقعت منه البدعة، والجمع: مبتدعة. (وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم)([26])، وفي صحيح البخاري (باب: إمامة الفتون والمبتدع)([27])

ومن كلام عمر بن عبد العزيز :(…. ألا وإني لست بقاض، ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع…)([28])، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (…. سمي المبتدع في الدين مبتدعاً لأحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره)([29]) .

وردت في اللغة بمعنى مبتدع، ففي اللسان (تبدع: أتى ببدعة)([30]) ووردت بمعنى التحول من السنة إلى البدعة .

أقوال العلماء في تعريف البدعة:_

قال أحمد بن حجر الهيثمي المكي:

(البدعة: هي ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب سواء فعل في عهده_ صلى الله عليه وسلم _ أو لم يفعل كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب)([31]).

قال الحافظ ابن حجر:

(والمحدثات …. جمع محدثة، والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة: فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء كان محموداً أو مذموماً)([32]).

قال الإمام النووي:

(البدعة بكسر الباء في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله r)([33])

قال الإمام العيني:

(قوله)محدثاتها)جمع محدثة، والمراد به ما أحدث وليس له أصل في الشرع، وسمي في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة). ([34])

قول الجرجاني في التعريفات:

(البدعة هي: الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي)([35]).

قول ابن الجوزي:

(والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابُتدع، والأغلب في المبتدعات، أنها تصادم الشريعة بالمخالفة، وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان)([36]).

قول ابن رجب الحنبلي:

(والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة_ إلى أن قال_ فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشريعة)([37]).

قول الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

عن البدعة أنها(ما أُحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي r وأصحابه، من عقيدة أو عمل)([38]).

ثالثاً ميدان البدعة:_

  • البدعة تكون بالفعل والترك:

وهذا يشمل البدعة الفعلية والبدعة التركية، أي أن البدعة تكون بفعل غير المشروع، كما تكون بترك ما هو مباح أو مشروع، أو بعبارة أخرى فعل ما تركه الشارع، وترك ما شرعه، أو ما أباحه تقرباً وديانة…

فأما فعل غير المشروع فواضح، وأمثلته كثيرة ومن أدلته:”من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد”([39])

فإذا فعل المكلف ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود الداعي لذلك، وانتفاء الموانع فقد ابتدع ([40])، وأمثلة ذلك :

الجهر بالنية في الصلاة، والأذان في العيدين، والاجتماع على صلاة معينة في أول رجب، أو أول جمعة فيه، أو في ليلة النصف من شعبان([41]) ونحو ذلك.

وأما ترك المشروع فهو: أن يترك المكلف ما فعله رسول الله r أو شرعه أو أباحه تديناً .

ومثال ذلك ما رواه الترمذي، عن ابن عباس_رضي الله عنهما-:(أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت على اللحم)، فأنزل الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً)([42])([43]).

ومن ذلك ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس _ رضي الله عنهما_ قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل([44])نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه)([45]).

  • البدعة تكون بالمعاملات:

نص شيخ الإسلام على أن التقيد بلباس معين أو قول معين، أو عادة معينة بحيث يجعل ذلك لازماً مستحباً، وهو في الأصل مباح، أن ذلك يعد بدعة([46]).

قال رحمه الله عن لبس الصوف:(….. اتخذا لبس الصوف عبادة وطريقاً إلى الله بدعة)([47])وأشياء من هذا القبيل سيأتي شرحها وبسطها في الفصل الرابع من الباب الثاني بعون الله.

  • البدعة تكون في العقائد والأقوال والأعمال:

وهذه متعلقات فعل المكلف بالخطاب الشرعي، وسواء قلنا أن الترك فعل، أو نفي الفعل، أو إنه وجودي أو غير وجودي، فإنه يدخل معنا هنا من حيث إن الابتداع يقع في الاعتقاد، والأقوال، والأعمال، من جهة ترك المشروع كما يقع من جهة عمل غير المشروع.

ويجب الانتباه إلى أن الأمر لا يعد بدعة إلا إذا قصد به التقرب يستوي في ذلك الاعتقاد والقول والعمل.

والبدعة تدخل في العقائد وفي غيرها، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم :”كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة”

وأمثلة البدع في الاعتقاد ما يلي:_

بدع المرجئة والخوارج، والمعتزلة.

وأمثلة البدع في الأقوال:

اتخاذ الأسماء المفردة لله سبحانه وتعالى للذكر، أو اتخاذ لفظ (هو) للذكر.

وأمثلة البدع في الأعمال:

لبس الصوف عبادة

  • شبه ترد في تجويز البدع تحت مفهوم البدعة الحسنة وبيانها:

الشبهة الأولى: الاستدلال بالحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه كل بسنده إلى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال ابن الحارث:”اعلم قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم يا بلال، قال: ما اعلم يا رسول الله؟ قال: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له أجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا تُرضي الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً”([48]) وهذا لفظ الترمذي.

استدل بهذا الحديث من استحسن بعض البدع، فقال: قوله صلى الله عليه وسلم :”من ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله” دليل على أن البدع لا تدم بإطلاق، بل يذم منها ما كان متصفاً بالضلالة أو مؤدياً إلى سخط الله ورسوله…..أما إذا كانت المحدثة ليست كذلك، فهي داخلة تحت وصف السنة الحسنة التي ينال صاحبها الأجر والثواب، لأن الإضافة الواردة في قوله:”من ابتدع بدعة ضلالة” تفيد مفهوماً مخالفاً مؤداه: أن من ابتدع بدعة ليست بضلالة، فإنه موعود بالإثابة.

ولمناقشة هذه الشبه قبل الكلام عن سند هذا الحديث أقول: إن الحديث على افتراض صحة سنده، ليس فيه هذا المعنى، لأنه ما من بدعة إلا وهي ملازمة لوصف الضلال، بنص حديث الرسول r :”كل بدعة ضلالة

وما من بدعة إلا ويبغضها الله ورسوله، بدليل تحذيره صلى الله عليه وسلم من كل محدثة:”وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة” فيكون الحديث على هذا المعنى دليلاً ضد المستدل به على حسن بعض البدع، أما الإضافة الواردة في الحديث فلا مفهوم لها، إلا كمفهوم الصفة في قوله تعالى:(لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة)([49])، وذلك لأن الضلالة صفة ملازمة للبدعة في كل حال([50]).

ثم إن في هذا الحديث دليلاً على إبطال البدع، وذلك بالحض على إحياء سنة قد أميتت، فإنه وعد بالأجر لمن أحيا سنة ميتة، لا لمن يخترع شيئاً جديداً، ثم يطلق عليه سنة حسنة، لأن الذي ورد في الحديث، إحياء سنة ثابتة نُسيت أو تُركت، وليس فيه إحداث ما لم يثبت، فدل هذا على أن المراد التحذير من الابتداع، لأنه في مقابل الابتداع، ولأنه ملازم للضلال في كل الأحوال.

هذا على افتراض صحة هذا الحديث، فكيف وقد ثبت أنه(موضوع) وعلته كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف المُزني، الذي عليه مدار الحديث(فقد سئل عنه أبو داوود فقال: كان أحد الكذابين، وقال الشافعي عنه: ذاك أحد الكذابين أو أحد أركان الكذب، وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب، وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه).([51])

أما تحسين الترمذي لهذا الحديث، فمنقوض بأقوال أئمة الجرح والتعديل، الذين اتفقوا على جرحه، وقد بين الذهبي أن الترمذي لا يعتمد عليه في التصحيح، وذلك عند ترجمته لكثير بن عبد الله هذا ([52])

ثانياً : الاستدلال بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد r خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء”

وهذا الحديث الذي يستدل به المحسن للبدع، لم يرد مرفوعاً إلى النبي r إلا عند الخطيب في تاريخ بغداد (4/165) عن أنس بن مالك t وفي سنده أبو داود النخعي وهو سليمان بن عمرو، وقد تفرد بروايته، كما قال الخطيب، وهو كذاب كما قال الذهبي في الميزان(2/216) ونقا عن الإمام أحمد أنه قال: كان يضع الحديث، فالحديث موضوع، وقد ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية:(1/80) وذكر تفرد النخعي، وكلام أحمد عنه ثم قال: وهذا الحديث إنما يعرف من كلام ابن مسعود، أما الأسانيد الأخرى المذكورة فكلها جاءت به موقوفاً على ابن مسعود، وهذا ما جعل الزيلعي في نصب الراية([53]) يقول:(ريب مرفوعاً، ولم أجده إلا موقوفاً على ابن مسعود).

والغريب عند الزيلعي مصطلح منه لنفسه في الحديث الذي لم يجد له أصلاً([54]).

وقال ابن القيم بعد أن أورد هذا الأثر(….. ليس من كلام رسول الله وإنما يضيفه إلى كلامه من لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود)([55]) وعلى هذا الأثر.

لا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من كلام ابن مسعود  الذي كان من أشد الناس على البدع وأهلها، صغيرها وكبيرها كقوله: t (اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة)([56])وقوله:(أيها إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول)([57])وقوله:(اتبعوا آثارنا فقد كفيتم)([58])وقوله:(اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم كل ضلالة)([59])وقوله:(عليكم بالعلم، وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق)([60])وهو الذي أنكر عل المجتمعين في مسجد الكوفة ذكرهم الله بصورة جماعية، وقال لهم:(لقد فضلتم أصحاب محمد r علماً، أو لقد جئتم ببدعة ظلماً_ إلى أن قال_ والذي نفسي بيده لئن أخذتم آثار القوم ليسبقنكم سبقاً بعيداً ولئن حرتم يميناً وشمالاً لتضللن ضلالاً بعيداً)([61]) وهو الذي حصب الذين اجتمعوا على الذكر بالحصا في مسجد الكوفة، حتى أخرجهم منه وهو يقول:(لقد أحدثتم بدعة ظلماً، أو قد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علماً)([62]).

والآثار الواردة عنه في ذم البدع والتحذير منها كثيرة، فهل يُعقل أن يقال بعد ذلك أن ابن مسعود  يقول بحسن بعض البدع، أو بجواز إحداث شيء يتقرب به إلى الله، لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

الشبهة الثالثة

ما ورد بسند صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً”.

وكذلك ما روى عن جرير بن عبد الله قال:(جاء الناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابهم حاجة، فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه، حتى رؤى ذلك في وجهه،قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فُعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء”)([63])

فاستدل الفرصة بقوله صلى الله عليه وسلم :”من سن سنة حسنة” إن النبي صلى الله عليه وسلم (أجاز لنا ابتداع ما كان حسناً، وجعل فيه الأجر لمن ابتدعه ولمن عمل به، ما لم يشق ذلك على الناس…..)([64]).

وعلى هذا المنوال ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم :”من دعا إلى هدى، ومن دعا إلى ضلالة….” الحديث.وقوله:”من استن خيراً فاستن به، ومن استن سنة سيئة فاستن به …” الحديث. وترد شبهتهم فيقولون بأن هذه النصوص نسبت الاستنان إلى المكلف، وفي هذا دليل على جواز اختراع شيء في الدين، وليس المراد عمل سنة ثابتة، لأنه لو كان هذا هو المراد لقال:(من أحيا سنة، أو من عمل بسنة ثابتة أو من عمل بسنتي)، ونحو ذلك، ولكن الوارد:”من سن سنة”،”من استن خيراً فاستن به”، وهذا اللفظ يدل دلالة واضحة على أن من أوجد شيئاً من أمور الخير واقتدى به فيه، فإنه يُحمد على ذلك بدوام أجره إلى يوم القيامة، بعكس من أحدث شراً، فإنه يذم ويجازى باستمرار الآثام عليه إلى يوم القيامة.

مناقشة هذه الشبه:

من المقرر أن نصوص الشريعة لا تضاد بينها البتة، ويلزم من ذلك أن يكون النظر إليها نظرة متكاملاً، فلابد يستدل بنص مجتزأ عن النصوص الأخرى أو معزول عنها، بل لابد من الإحاطة بالنصوص في المسألة التي يريد إصدار الحكم فيها، إحاطة موقن بأنه لا يمكن أن تتناقض النصوص الشرعية الثابتة،وعلى هذا فلابد من النظر إلى هذه الأحاديث بهذا المعيار .

أن الدعوة إلى الهدى أو استنان سنة الخير، أو إيجاد السنة الحسنة، كل ذلك لابد أن يكون مضبوطاً بالضوابط الشرعية الثابتة بالنصوص الكثيرة، فمن هذه الضوابط أن العمل الذي يعمله الإنسان مريداً به القربة إلى الله، لا بد أن يكون مشروعاً في أصله، فإذا لم يكن كذلك فهو ابتداع، لقوله r :”عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة”.

فمن رأى هذا النص الذي كان ينادي به الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبه، وقارنه مع قوله:”من سن سنة حسنة” أو “من استن خيراً فاستن به” يجد أن لا تناقض بينها ولا تضاد، فاستنان الخير ليس على إطلاقه بل هو مضبوط بكونه مشروعاً، فإن لم يكن له أصل شرعي معتبر يدل عليه، فهو ابتداع حتى ولو كان في ذاته فعل خير.

ولزيادة التوضيح ترد قصة ابن مسعود  مع الذين اجتمعوا في مسجد الكوفة، يذكرون الله بصفة جماعية، وبين أيديهم الحصى يذكرون بها فأنكر عليهم ابن مسعود وزجرهم واعتبر عملها هذا بدعة ضلالة، وإحداث على غير هدى، مع أن الذكر في أصله مشروع، وقد وردت أحاديث في فضله، وفضل المجتمعين على ذكر الله، وهو من أمور الخير بلا شك، ولكن ذلك لم يكن مانعاً من إنكار ابن مسعود وتبديعه لهذا العمل، ومع أنه من أعلم أهل زمانه بفضل الذكر ومجالسه، ولكنه لما رأى هؤلاء أحدثوا هيئة للذكر، وطريقة يتعبدون بها، ولم يكن ذلك معهوداً في عهده صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم  وحصبهم حتى أخرجهم من المسجد، ولم ينقل عن أحد منهم أنه احتج بأن:”من استن خيراً به كان له أجره كاملاً ومن أجور من استن به” ولم يعتبر ابن مسعود الخيرية الحاصلة بالذكر، منفصلة عن الخيرية الحاصلة بالإتباع وترك الابتداع، ولذلك أنكر عليهم وبدع عملهم.

وهذا سعيد ابن المسيب([65])رحمه الله ينهى الرجل الذي رآه يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود، فقال له الرجل: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة، قال:(لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة)([66])

ثم أن سبب قوله صلى الله عليه وسلم :”من سن سنة حسنة” حادثة القوم الحفاة العراة الذين لما رآهم صلى الله عليه وسلم خطب في الناس، وحث على الصدقة عليهم، فأبطأ الناس حتى كره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل من الأنصار بصرة من مال فوضعها، ثم تتابع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من سن سنة حسنة”الحديث.

فدلت هذه القصة على السنة المقصودة في هذا الحديث وهي العمل بما ثبت كونه مشروعاً، إذ السنة التي سنها الأنصاري  هي: مبادرته إلى الصدقة التي حض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هذا السبب لورود الحديث، يتبين أن المراد به عمل ما هو مشروع، وليس إحداث ما ليس مشروعاً، ثم تسميته سنة حسنة([67])

 ذلك من خصائص الشارع الحكيم([68])….ومن هنا نقول بأن استحسنان العقل أو الذوق لفعل من الأفعال لا يكون مبرراً إحداثه واعتباره سنة حسنة، لأنه لو اعتبر ذلك من غير نظر إلى حكم الشارع لا نفرط عقد الشريعة، ولقال كل من شاء ما شاء، ولفعل كل إنسان ما أملاه عليه عقله أو ذوقه، فإذا عُلم_ مع ما سبق_ مقدار تنوع عقول الناس وإفهامهم وأذواقهم، عُرف كم في حشايا القول باستحسان البدع من خطر على الدين، وافتئات على الله وشرعه القويم الكامل، الذي قال فيه جل وعلا:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)([69])

الشبهة الرابعة

قول عمر بن الخطاب   في حديث بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاريء([70])أنه قال:”خرجت مع عمر بن الخطاب  ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قاريء واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون_ يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله”([71])

واحتجاج محسن البدع بهذا الحديث منقوض بما يلي:

أولاً: أن فعل عمر   حينما جمع الناس في التراويح على إمام واحد مأخوذ من فعله r كما روى البخاري وغيره عن عائشة  رضي الله عنها أخبرت:”أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله r فصلى بصلاته، فلما كان الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف على مكانكم، ولكني خشي أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك([72]).

ففي هذا الحديث النص الصريح على أن الناس اجتمعوا على إمام واحد في عهده صلى الله عليه وسلم، وبفعله عليه الصلاة والسلام، وأنه إنما ترك ذلك رأفة بأمته، وخشية منه عليه السلام أن تفرض عليهم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

في تسمية عمر لجمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح نعم البدعة هذه إنها تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه شرعي_ إلى أن قال_ ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة، وقد عُلم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم :”كل بدعة ضلالة” لم يرد به كل عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام، بل كل دين جاء به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو r ([73]).

وقال رحمه الله :

(…. كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة، وما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة كما قال: (نعمت البدعة هذه)…. )([74])

وقال في موضع آخر:(ولا يحتج مُحتج بجمع التراويح ويقول:(نعمت البدعة هذه)فإنها بدعة في اللغة)([75])

وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره:

(والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية كقوله:”فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة” وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن عبد الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم (نعمت البدعة هذه)([76]).

الشبهة الخامسة:

  • الاحتجاج بالمنقول عن الإمام الشافعي رحمه الله فيما رواه أبو نعيم في الحليلة بسنده عن الشافعي أنه قال :(البدعة بدعتان: بدعة محمودة ، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان نعمت البدعة هي) ([77])
  • ما رواه ابن عساكر بسنده عن طريق البيهقي عن الربيعي بن سليمان والذهبي في السير، بسنده عن الربيع قال: قال الشافعي:(المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث ما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة ضلال، وما أحدث لا خلاف فيه لواحد من ها، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان:(نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى([78])

وتحدث الشاطبي معبراً عن ما يشبه هذه المعاني في معرض رده على المستحسن للبدع، والمستدل عليها بقول عمر t فقال:(…إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه، لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه….)([79]).

وقال في موضع آخر موجهاً كلام العز في تسميته بعض المصالح المرسلة بدعاً:(…. وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعاً في اللفظ كما سمى عمر   الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة)([80]).

ثالثاً:

لو افترض أن هذا العمل من عمر   ليس له دليل من السنة ولا يصح صرف معنى قوله:(نعمت البدعة) إلى المعنى اللغوي، فإن فعله   محل اقتداء لكونه من الخلفاء الراشدين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتزام سنتهم حيث قال:”عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ“.

وإلى هذا المعنى أشار ابن رجب رحمه الله عند كلامه عن معنى قول عمر  :(نعمت البدعة هذه) حيث بين أن هذا العمل له أصل في الشريعة، ثم ذكر أدلة المشروعية فقال:(ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي_ رضي الله عنهم)([81])

وأشار لهذا المعنى أيضاً شيخ الإسلام فقال:(فلما كان عمر   جمعهم على إمام واحد، والذي جمعهم أبي بن كعب جمع الناس عليها بأمر عمر ابن الخطاب t وعمر هو من الخلفاء الراشدين حيث يقول صلى الله عليه وسلم:( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) يعني بالأضراس لأنها أعظم في القوة)([82]) وأشار لهذا المعنى كذلك: الحافظ أبو موسى الأصفهاني ([83]) في المجموع المغيث حيث قال:(وقيام شهر رمضان في حق التسمية غير بدعة، لقوله عليه الصلاة والسلام(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)(واقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر([84]))([85])

والجواب على هذا الاستلال من عدة أوجه:

الوجه الأول:

أن قول الشافعي رحمه الله عن البدعة المذمومة هي ما خالف السنة، وقوله عن المحدث المذموم، بأنه ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، منطبق على سائر البدع في دين الله، فليس هناك بدعة إلا وهي مخالفة للكتاب والسنة والآثار والإجماع، وإلا لما كانت بدعة، لأنه لو ثبت لها أصل من هذه الأصول لأصبحت عملاً مشروعاً في دين الله.

وهذا ما يتفق عليه علماء المسلمين قديماً وحديثاً، وما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:”من صنع أمر على غير أمرنا فهو رد([86])، وعلى هذا الوجه فاستدلال حسن البدع في كلام هذا الإمام غير صحيح بل الأمر على خلاف مراده.

الوجه الثاني:

قول الشافعي رحمه الله أن ما وافق السنة فهو محمود، قول فيه إجمال، يحتاج إلى بيان، فإن كان مراده بالبدعة والمحدثة معناهما اللغوي فهذا المعنى مقبول ووارد، وسياق الكلام يدل على أن هذا هو مراد الشافعي رحمه الله([87])، حيث وصف البدعة المذمومة شرعاً، وبين معالمها، ووضح مسالكها، توضيحاً يستغرق سائر أنواع البدع، ثم عطف بذكر البدع المحمودة، مستدلاً عليها بحديث عمر t وقد مر قبل قليل أن معنى كلام عمر يتوجه إلى الاستعمال اللغوي للبدعة، إذ هو أقرب مأخذ يمكن توجيه الكلام إليه لتلائمه مع منزلته وعلمه، ومكانته في هذا الدين.

وعلى هذا التوجيه نفسه يمكن حمل كلام الشافعي في قوله هذا، لا سيما وقد سبق بيانه للبدعة المذمومة شرعاً، وألحق في نهاية كلامه قول عمر، t ، وإن كان مراده بقوله هذا معنى آخر غير المعنى اللغوي، فهذا ما يأتي بيانه في :

الوجه الثالث:

وهو أن يكون مراده رحمه الله الحوادث التي استجدت وليس عليها بأعيانها أدلة من الكتاب أو السنة أو الآثار أو الإجماع، ولكنها تدخل تحت أصل من الدين، وتنضوي تحت قاعدة من قواعده، وهي ليست من العبادات المحضة، فهذه الحوادث إذا كانت بهذه الصفة فهي محمودة من جهة الشرع، ولا تسمى بدعاً في الدين، وإن كانت تسمى بدعاً من جهة اللغة([88]). وفي هذا الوجه تدخل المصالح المرسلة، بناء على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع([89]) وهذا محمل آخر يمكن توجيه قول الشافعي إليه.

الوجه الرابع

من الإنصاف ألا يحمل كلام هذا الإمام أكثر مما يحمل، وألا ينظر إلى كلامه هذا معزولاً عن بقية مقولاته، لا سيما إذا كان في بعض كلامه إجمال، وفي بعضه الآخر تفصيل، فإنه يحب حمل المجمل على المفصل، وتقديم المبين على المبهم، والمنطوق على المفهوم، والعبارة على الإشارة، ومن كلامه الذي يمكن ضمه إلى تعريفه هذا للبدعة، ما جاء في الرسالة حيث قال عن الاستحسان

(…. وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلا بالاستدلال إلى أن قال: ولا يقول بما استحسن، فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سبق)([90])

وقال رحمه الله:(وهذا يبين أن حراماً على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر، والخبر من الكتاب والسنة عين، يتآخى معناها المجتهد ليصيبه)([91])

وقال:(وإنما الاستحسان تلذذ)([92])

وقال:(ولو قال بال خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال هو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم جائزاًَ)

ولم يجعل الله لأحد بعد رسوله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة، والإجماع والآثار وما وضعت من القياس عليها..)([93])

فهل يمكن بعد كل هذا أن يقال بأن الشافعي يستحسن البدع، ويمدحها ويثني عليها، ويجيز التقرب بها إلى الله؟

وهل يُعقل أن يكون مراد الشافعي بقوله في تعريف البدعة، تحسين المحدثات والحث على اعتناق ما تراه النفوس والعقول والأذواق حسناً؟…

ذكر الذهبي في ترجمته عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت محمد ابن داوود([94])يقول:

لم يلحظ في دهر الشافعي كله أنه تكلم في شيء من الأهواء ولا نسب إليه ولا عرف به، مع بغضه لأهل الكلام والبدع([95]).

وذكر أن أحمد بن حنبل كان يقول:(ما رأيت أحداً أتبع للأثر من الشافعي)([96]) وذكر ابن الإمام سحنون([97]) قال:(لم يكن في الشافعية بدعة)([98])، ولو كان الشافعي ممن يستحسن البدع، أو يجيز وقوع بعضها شرعاً، لما استحق من هؤلاء الأئمة هذه الأوصاف، ولنقل عنه ولو مرة واحدة، أنه وصف بدعة الدين بأنها حسنة محمودة.

الوجه الخامس:

من القواعد التي ذكرها الإمام الشافعي ما نهى عنه رسول الله r فهو على التحريم، حتى تأتي دلالة منه على أنه أراد به غير التحريم([99])

فإذا نظرت إلى قوله r :”وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة،وكل بدعة ضلالة” وقوله:”من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” وجدت أن النهي هنا للتحريم، ولم يرد نص واحد فيه دلالة على النهي ليس للتحريم، بل النصوص متضافرة على هذا المعنى، فهل يقال بعد هذه القاعدة، بأن الشافعي يرى تحسين ما حرمه الله؟، معاذ الله.

ومن القواعد الأصولية التي قالها الشافعي رحمه الله:(….. فكل كلام كان عاماً ظاهراً في سنة رسول الله r على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله r بأبي هو وأمي يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض…)([100]).

وقوله r :”كل بدعة ضلالة” من العام الظاهري الذي لم يرد على الشرع كله، مل يدل ولا بمفهوم المخالفة على تخصيص شيء منه.

وهذه القاعدة تنقض ما استدل به المحسن للبدع من كلام الشافعي رحمه الله.

الوجه السادس

لو افترض جدلاً أن الشافعي أراد بقوله في تعريف البدعة ما ذهب إليه المبتدع، فإنه كلام بشر لا يمكن أن يعارض به النصوص الشرعية، لا سيما وقد قرر هذا الإمام المطلبي رحمه الله أنه:(…. إذا ثبت عن رسول الله r الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس إتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمراً يخالف أمره)([101]).

وقال رحمه الله فيما يرويه عنه الربيع بن سليمان:(إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله r فقولوا به ودعوا ما قلته)([102])

وقال:(كل ما قلت فكان عن رسول الله r خلاف قولي مما يصح، فحديث رسول الله r أولى)([103]).

وقال:(كل حديث عن النبي r فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني)([104]).

وبمعنى هذا القول وهو من الكلام السائر في الآفاق قوله رحمه الله إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فضربوا بقولي الحائط([105]).

وقال رحمه الله: كل مسألة تكلمت فيها وصح الخبر فيها عن رسول الله r عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي)([106]).

خامساً مدرسة سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمه الله، حيث قال في قواعد الأحكام:(البدعة هي فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله r وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة….

والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي مباحة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة([107])…) ثم ذكر بعد ذلك أمثلة لما ذكر . وهذا التعريف والتقسيم نقله واعتمد عليه كثير من الذين جاءوا بعد العز بن عبد السلام منهم:

القرافي في الفروق([108]) حيث بسط الكلام في هذه المسألة، شارحاً لرأي شيخه العز، وتبع القرافي صاحب تهذيب الفروق([109]) وفعل مثلهما النووي في: تهذيب الأسماء واللغات([110]) والزركشي في: المنثور([111]) وابن حجر الهيثمي في: الفتاوى الحديثية([112]) والسيوطي في: الحاوي([113])، وفي الأمر بالإتباع([114])والسخاوي في: فتح المغيث([115])ومحمد بن جزي المالكي في: قوانين الأحكام الشرعية([116])، وغيرهم من القدماء والمحدثين، مما يدل على اعتمادهم على هذا التعريف والتقسيم الذي قاله العز بن عبد السلام.

ومناقشة هذه القول بعدة أمور:

الأول:

أن تعريفه للبدعة بأنها فعل ما لم يعهد في عصر الرسول r يدل على مراده في تقسيم البدعة، والأحدث الذي لم يعهده في عصره r كثيراً، يشمل أمور الدين والدنيا، والعبادات والمعاملات، والمصنوعات والمخترعات، والعلوم والأعراف، والعادات وكل شيء جديد لم يكن معهوداً في عصره r ، داخل تحت قول هذه القول، ولكنه لا يكون بدعة شرعية، إلا إذا اقترن به قصد التعبد، وليس له أصل في الدين يدل على ذلك.

فهذا التعريف يشمل البدع الشريعة التي لا تكون إلا ضلالة، ولا يتصور فيها التقسيم إلا بالكراهية والتحريم.

ويشمل كذلك البدع اللغوية التي قد لا تكون مشروعة، وقد تكون من المباحات، ولكنها تسمى بدعاً في اللفظ، لكونها حادثة بعد أن لم تكن.

وعلى ذلك فلا يصح الاحتجاج بهذا القول على أن البدعة الشرعية فيها ما هو حسن….

الثاني:

تقسيم العز بن عبد السلام للبدع إلى خمسة أقسام، وإدخال كل قسم منها تحت حكم من الأحكام الشرعية الخمسة، وتمثيله على ذلك يدل على أنه جمع البدعة الشرعية التي لا تكون إلا مذمومة، والبدعة اللغوية التي قد تكون مذمومة، وقد تكون محمودة، وقد تكون مباحة.

وسبب ذلك أنه رحمه الله إنما نظر إلى العمل من حيث وجه الإحداث فيه، وكونه أمراً مبتدأً، وليس هذا هو مناط النهي عن البدع من الناحية الشرعية، فلا مجال إذاً للاحتجاج بقوله على تحسين البدع.

الثالث:

من خلال أمثلة العز بن عبد السلام رحمه الله لما أسماه بالبدع الواجبة والمندوبة والمباحة، نجد أن أكثرها مشروع أو مباح من قبل الشرع، فلا يطلق عليه بدعة من ناحية شرعية إذ البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله صلى الله عليه وسلم :”كل بدعة ضلالة” أما ما قام دليل على وجوبه، أو استحبابه، أو إباحته فليس من هذا الباب، ولا يصح إدخاله في مسمى البدعة، إلا من ناحية لفظية وهذه الناحية لا خلاف فيها، لأن كل جديد بدعة من حيث اللغة، ولكن محل الكلام هنا هو في البدعة الشرعية التي حذر منها الشارع ونهى عنها، وذمها السلف.

والخلط بين البدعة اللغوية والشرعية قد يؤدي إلى ضرر ولبس ، فيظن أن ما ليس ببدعة بدعة والعكس.

ولا يتميز حكم الشرع مع التباس المسميات ولهذا فالأولى أن يُفتى في المسائل الحادثة بإيجاب أو استحباب أو إباحة، ولا يقول هذه بدعة، ولكنها واجبة أو مستحبة أو مباحة لأن مصطلح البدعة الشرعية مُستقر .

الرابع:

يظهر من خلال أمثلة العز بن عبد السلام أنه أدخل المصالح المرسلة في مسمى البدع، بناء على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلاءم قواعد الشرع.

فلكونها داخلة تحت قواعد الشرع، حكم عليها بالوجوب أو الندب أو الإباحة، ولكونها حادثة غير معهودة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم سماها بدعاً، فيكون بذلك من القائلين بالمصالح المرسلة، وهي ليست بدعاً إلا في اللفظ([117]).

فيكون الاحتجاج بقوله وتقسيمه على حسن البدع من الناحية الشرعية احتجاجاً في غير محل النزاع وبهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ما سمي “بدعة” وثبت حسنة بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال: إن ما ثبت حسنه فليس من البدع في الدين، وإن كان يسمى من حيث اللغة كما قال عمر:(نعمت البدعة هذه) فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه.

وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم ، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع من هذا العموم، احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك العموم اللفظي لمعنوي موجباً للنهي، ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً….)([118])

الخامس:

ما رواه ابن وضاح بسنده عن أبي حفص المدني ([119]) قال:(اجتمع الناس يوم عرفه في مسجد النبيصلى الله عليه وسلم يدعون بعد العصر، فخرج نافع([120]) مولى ابن عمر من دار آل عمران، فقال: أيها الناس: إن الذي أنتم عليه بدعة، وليستن بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجه)([121])

فبدعة التعريف في غير وقوف الناس في عرفه التي نهى عنها نافع والنخعي، لم تصادم نصاً بعينه ينهي عن التعريف، ولم ترفع حكماً، ولم تُلغ تشريعاً بمنافاتها لعين الأمر الشرعي، ومع ذلك سماها السلف بدعة ومحدثة، لأنها اختراع في الدين لا دليل عليه.

أولاً:

القول بحسن  بعض البدع مناقضة للأدلة الشرعية الواردة في ذم عموم البدع، ذلك أن النصوص الذامة للبدعة والمحذرة منها جاءت مطلقة عامة، وعلى كثرتها لم يرد فيها استثناء ألبتة، ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو حسن مقبول فدل ذلك على أن أدلة الذم بأسرها متضافرة على أن القاعدة الكلية في ذم البدع لا يمكن أن يخرج عن مقتضاها فرد من الأفراد([122]).

ثانياً:

من الثابت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررن في أوقات شتى وأحوال مختلفة، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها العام المطلق….

وأحاديث ذم البدع والتحذير منها من هذا القبيل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد على ملأ المسلمين في أوقات وأحوال كثيرة ومتنوعة أن :”كل بدعة ضلالة”.

ولم يرد في آية ولا حديث ما يقيد أو يخصص هذا اللفظ المطلق العام، بل ولم يأت ما يُفهم منه خلاف ظاهر هذه القاعدة الكلية، وهذا يدل دلالة واضحة على أن هذه القاعدة على عمومها وإطلاقها([123]).

ثالثاً:

عند النظر في أقوال وأحوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم، نجد أنهم مجتمعون على ذم البدع وتقبيحها والتنفير عنها،وقطع ذرائعها الموصلة إليها، وذم المتلبس بالبدعة والمتسم به، والتحذير من مجالسته وسماع أقواله، ولم يرد عنهم في ذلك توقف ولا استثناء، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت يدل بجلاء على أنه ليس في البدع ما هو حسن([124]).

رابعاً

من تأمل البدع يجد أنه مضادة للشرع مستدركة عل الشارع، متهمة له بالتقصير، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن يقسم إلى حسن وقبيح، أو أن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم([125]).

خامساً

لو افترض جدلاً أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذم ، كما لو قال الشارع “والمحدثة الفلانية حسنة” فإنها تصير حينئذ عملاً مشروعاً ولا تسمى بدعة .

سادساً:

تخصيص شيء من البدع بوصف الحسن والثواب، لا بد أن يكون بمخصص يخرجها من عموم الذم، فإن كان المخصص الذي يحتج به المحسن قوله إلا بما شرع الله .

وإن كان المخصص العقل، فإن العقول متنوعة والإفهام مختلفة فقد يحسن فلان ما يقبحه فلان والعكس، وحكمة الله العليم الحكيم تأبى أن يترك الدين لآراء العقول ومزاجات النفوس، إذ العقول والنفوس والقلوب كثيرة الاختلاف، تحكم على الشيء الواحد في الساعة الواحدة في المكان الواحد عدة أحكام متقابلة بل ومتناقضة في بعض الأحيان.

ولا يمكن أن يكلنا الله في الدين الذي شرعه وارتضاه لنا إلى هذا المضطرب المتقلب.

ثم أي عقل هو المخول بهذا التخصيص والتحسين؟…

أعقول كافة الناس، أم عقول أغلبهم أو بعضهم، فإن كان الأول فغير متصور وإذا حصل فهو الإجماع ولا تجمع الأمة على ضلالة، ولا على مخالفة قواعد الشرع الكلية، ولا على مخالفة النصوص الظاهرة الجلية وإن أريد عقول بعض الناس فليس تحت هذا طائل، لأنه ليس بعض العقول أولى بالإتباع من العقول الأخرى المخالفة لها تمام المخالفة([126]).

وإن كان المخصص دليل من الشرع وهذا غير موجود فيقال: إن هذه المسألة بعينها مخصوصة من عموم الذم، ويبقى العام الذي خُصص بعض أجزائه دليل فيما عدا صورة التخصيص، مع مطالبة مدعي التخصيص بالدليل الشرعي على ذلك ([127]).

أو يقال: إن هذه المسألة ليست مخصصة للعموم، لأنها ليست بدعة شرعية

[1] _ فتح الباري 13/245

[2] _ مجموع الفتاوى 3/157 والحديث في البخاري

[3] _ الموافقات 4/4/3-6

[4] _ الوضع في الحديث 1/36

[5] _ الإبداع لعلي محفوظ ص 32

[6] _ الإبداع لعلي محفوظ ص 32

[7] _ أعلام الموقعين 1/344 ومجموع الفتاوى 1/80-334/22/510

[8] _ آل عمران 7

[9] _ الأنعام 153

[10] _ الحشر 7

[11] _ رواه مسلم 1/592 والبخاري بنحوه 8/139

[12] _ ؟؟؟؟؟؟؟

[13] _ صحيح الجامع 2546

[14] _ الدارس في المقدمة 344

[15] _ الدارس في المقدمة 69

[16] _ الزهد للإمام أحمد 334

[17] _ حلية الأولياء 2/278

[18] _ معجم مقاييس اللغة 1/209

[19] _ الاعتصام 1/99

[20] _ الاعتصام 1/99

[21] _ لسان العرب 8/7 ومقاييس اللغة 1/210

[22] _ الاعتصام 2/186

[23] _ مجموع الفتاوى 3/195

[24] _ مجموعة الرسائل للأستاذ حسن البنا 270

[25] _ الاعتصام 1/36

[26] _ لسان العرب 8/6

[27] _ صحيح البخاري 1/170

[28] _ رواه الدرامي في سننه في المقدمة، باب ما يتقي من تفسير حديث النبي _ صلى الله عليه وسلم ص 115

[29] _ تفسير ابن كثير 1/282

[30] _ لسان العرب 8/6

[31] _ الفتاوى الحديثية 281

[32] _ فتح الباري 13/253و13/254، ونحوه في 4/253

[33] _ تهذيب الأسماء واللغات 3/22

[34] _ عمدة القاريء 25/37

[35] _ التعريفات 43

[36] _ تلبيس إبليس 16

[37] _ جامع العلوم والحكم 252

[38] _ شرح لمعة الاعتقاد 23

[39] _ صحيح الجامع 6274

[40] _ انظر الاقتضاء 2/714

[41] _ انظر مجموع الفتاوى 22/233، 234

[42] _ المائدة / 86-87

[43] _ أخرجه الترمذي من كتاب التفسير، باب من سورة المائدة 5/255، وقال: هذا حديث حسن غريب .

[44] _ صحابي مختلف في اسمه فقل: يسير، وقيل: قشير، وقيل: قيصر، ومختلف في نسبته، فقيل: أنصاري وقيل: عامري، وليس في الصحابة من يشاركه في اسمه أو كنيته، وليس له ذكر إلا في هذا الحديث. الإصابة 4/67 وتجريد أسماء الصحابة 2/147 ، وهامش سنن أبي داوود 3/600

[45] _ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان وال

[46] _ انظر مجموع الفتاوى 11/28

[47] _ انظر مجموع الفتاوى 11/555

[48] _ أخرجه الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع 5/45، وابن ماجه بطريقين في المقدمة ، باب من أحيا سنة قد أميتت 1/76

[49] _ آل عمران / 130

[50] _ انظر الاعتصام 1/185 وتعليق الألباني على هذا الحديث في مشكاة المصابيح 1/60

[51] _ انظر ترجمة ابن كثير بن عبد الله، وهذه الأقوال عنه في تهذيب التهذيب 8/422

[52] _ ميزان الاعتدال 3/407

[53] _ نصب الراية 4/133- 134

[54] _ انظر هامش كتاب المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، لملا على قاري 186

[55] _ الفروسية لابن القيم 82

[56] _ ذكره في مجمع الزوائد، في كتاب العلم، باب في اتباع الكتاب والسنة 1/173 وقال: الطبراني في الكبير.

[57] _ أخرجه الدرامي في سننه المقدمة، باب: الفتيا وما فيه من الشدة:61

[58] _ أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها ص 10

[59] _ أخرجه الدرامي في المقدمة باب في كراهية أخذ الرأي 69 وذكره في مجمع الزوائد 1/181 وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه بن وضاح ص 10

[60] _ أخرجه الدرامي في المقدمة، باب من هاب الفتيا وكره التنطع والبدع 54، وابن وضاح ص 25

[61] _ أخرجه ابن وضاح 9،10 وذكره في مجمع الزوائد 1/182 وقال قبله(وفي بعض طرق الطبراني الصحيحة المختصرة)

[62] _ أخرجه ابن وضاح 11، وذكره بنحوه في مجمع الزوائد 1/181، وقال: رواه الطبراني في الكبير.

[63] _ أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة

[64] _ البواقيت والجواهر لعبد الوهاب الشعراني 1/44

[65] _ هو إمام التابعين أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي سيد التابعين وأعلمهم، كان من العباد الزهاد، لا يخالط السلاطين ولا يداخلهم، وقصته مع آل مروان مشهورة، كان من أحفظ الناس لأحكام عمر وأقضيته، حتى سمي راوية عمر، توفي في المدينة سنة 94هـ. العبر 1/82، وسير النبلاء 4/117 وطبقات ابن سعد 5/119 حلية الأولياء 2/161

[66] _

[67] _ انظر تفصيل هذا المعنى في الاعتصام 1/182-184

[68] _ انظر مسألة التحسين والتقبيح في: تحفة المريد على جوهرة التوحيد 1/28-29 ودرء التعارض 8/492، ومجموع الفتاوى 8/90، 11/676-677 وإرشاد الفحول 7، ومفتاح دار السعادة 2/105، وسلم الوصول لشرح نهاية السول 1/83-84

[69] _  المائدة /3

[70] _  هو عبد الرحمن بن عبد _ بغير إضافة_ القارئ من ولد القارة ابن الديش، اختلف في محبته فلذلك ذكر في ثقات التابعين، توفي سنة 88 هـ، تقريب التهذيب 1/489، وتهذيب التهذيب 6/223 ، والكاشف 2/155.

[71] _  أخرجه البخاري في كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان 2/252، ومالك في الموطأ وقد سبق تخريجه.

[72] _ التجارب 2/252

[73] _ انظر اقتضاء الصراط المستقين 2/589-590

[74] _ مجموع الفتاوى 10/371، وانظر 22/234

[75] _ مجموع الفتاوى 22/224

[76] _ تفسير ابن كثير 1/282

[77] _ حلية الأولياء 9/113، وذكر هذا التعريف مستشهداً به أو موجهاً له كل من: الحافظ أبي موسى الأصفهاني في المجموع المغيث 1/137، وابن رجب في جامع العلوم 253، والحافظ ابن حجر في الفتح 13/253. والسيوطي في الأمر بالإتباع 37 .

[78] _ تبين كذب المفترى 97 سير أعلام النبلاء ملاحظة نقل هذا التعريف مستشهداً به أو مبيناً لمعناه: الزركشي في المنثور 1/217 وابن تيمية في درء التعارض 1/249 ، وابن القيم في إعلام الموقعين 4/121، وأبو شامة في الباعث 20، وابن رجب في جامع العلوم 253، وابن حجر في فتح الباري 13/253، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات 3/23، وابن اللحام في القواعد والفوائد الأصولية 295، والسيوطي في الحاوي للفتاوى 1/192 و348، وفي الأمر بالإتباع 37، وعزت عطية في البدعة 160 والبوطي في ضوابط المصلحة 371 وغيرهم .

[79] _ الاعتصام 1/195

[80] _ المرجع السابق 1/192

[81] _ جامع العلوم والحكم 252

[82] _ مجموع الفتاوى 22/225، وانظر بمعناه في مجموع الفتاوى أيضاً 22/234

[83] _ هو الإمام الحافظ العابد محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني، الأصفهاني، أحد حفاظ الدنيا الرحالين الجوالين، وكان مع براعته في الحفظ والرجال، صاحب ورع وعبادة وجلالة وتقي، توفي سنة 581هـ. العبر 3/84، والدباية والنهاية 12/308، ووفيات الأعيان 7/330.

[84] _ أخرجه أحمد 5/382 و 385و 402 عن حذيفة بن اليمان، والترمذي في كتاب المناقب باب في مكناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما 5/609-610وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه في المقدمة، باب فضائل أصحاب الرسول r 1/37، والحاكم 3 /75 وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه أحمد عن طريق آخر 5/399

[85] _ المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث 1/137

[86] _ تبين كذب المفتري 97، وسير أعلام النبلاء 10/70، وذكر السيوطي في الحاوي

[87] _ انظر جامع العلوم والحكم ص 253

[88] _ انظر مجموع الفتاوى 10/371

[89] _ انظر الاعتصام 1/192

[90] _ الرسالة 25

[91] _ المصدر السابق 504

[92] _ الرسالة 507

[93] _ المصدر السابق 508

[94] _ هو محمد بن داود بن صبيح أبو جعفر المصيصي، قال الآجري عن أبي داود، كان ينتقد الرجال، وما رأيت رجلاً أعقل منه، وقال الخلال: كان من خواص أحمد ورؤسائهم، وكان يكرمه ويحدثه بأشياء لا يحدث بها غيره. قال ابن حجر: ثقة فاضل من الحادية عشرة. تهذيب التهذيب 9/154، تقريب التهذيب 2/160

[95] _ سير النبلاء 10/26

[96] _ المصدر السابق 10/87

[97] _ هو إمام المالكية في زمانه أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، الحمصي الأصل، المغربي المالكي المشهور بسحنون، كان مفتي القيروان وقاضيه، وهو صاحب المدونة، كان فقيهاً زاهداً، لا يهاب سلطاناً، توفي سنة 240هـ، العبر 1/340، وفيات الأعيان 3/180

[98] _ سير النبلاء 10/95

[99] _ الرسالة الأصولية 217

[100] _ الرسالة 341

[101] _ المرجع السابق 330

[102] _ سير النبلاء 10/34 ، وتوالي التأسيس لمعالي بن إدريس ، للحافظ ابن حجر ص 107

[103] _ توالي التأسيس 107، سير النبلاء 10/33 ، حلية الأولياء 9/106

[104] _ سير النبلاء 10/35، والبداية والنهاية 10/253-254

[105] _ سير النبلاء 10/35، وتوالي التأسيس 109 ، وقد صنف تقي الدين السبكي رسالة بعنوان (معنى قول المطلبي إذ صح الحديث فهو مذهبي) وهو مطبوع ضمن مجموعة الرسائل المنيرية 3/98-114

[106] _ توالي التأسيس 108

[107] _ قواد الأحكام 2/172-174 انظر فتاوى المعز بن عبد السلام 116

[108] _ انظر الفروق للقرافي 4/202-205

[109] _ انظر تهذيب الفروق بهامش الفروق للقرافي 4/217-229

[110] _ انظر تهذيب الأسماء واللغات 3/22

[111] _ انظر المنثور 1/218

[112] _ انظر الفتاوى الحديثية 150

[113] _ انظر الحاوي 1/192-348

[114] _ انظر الأمر بالاتباع ص 38

[115] _ انظر فتح المغيث 1/227

[116] _ انظر قوانين الأحكام الشرعية ص 19

[117] _ انظر الاعتصام 1/192

[118] _ مجموع الفتاوى 10/270 – 371 واقتضاء الصراط المستقيم 2/584، يمزج بين لكتابين وتصرف

[119] _ هو عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ذكره ابن حبان في الثقات، وهو مشهور بأبي حفص المدني، قال عنه ابن حجر في التقريب: مقبول من الثالثة. تقريب التهذيب 2/59، وتهذيب التهذيب 7/473

[120] _ هو الإمام التابعي أبو عبد الله نافع، مجهول النسب ديلمي الأصل معروف بمولى عبد الله بنبعمر، كان من آئمة التابعين بالمدينة، وكان علامة في الفقه كثير الواية الحديث توفي سنة 117هـ العبر 1/113، وتقريب التهذيب 2/296

[121] _ البدع والنهي عنها لابن وضاح 46

[122] _ انظر الاعتصام : 1/141 واقتضاء الصراط المستقيم 2/588

[123] _ انظر الاعتصام 1/141، 142

[124] _ انظر الاعتصام 1/142

[125] _ انظر الاعتصام 1/142

[126] _ انظر تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين لأحمد بن حجر آل بوطامي ص 73، 75،76

[127] _ انظر اقتضاء الصراط المستقيم 2/584، 587 ، والتمهيد 2/31