رؤية لواقع الحركة الإسلامية في انتخابات 2..3

(2-2)

بقلم: الشيخ جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

*أيها الطامح للبرلمان….لا تغرد خارج السرب

       نعم قد علمنا أن الطيور تروح وتجىء أسراباً مجتمعات لا أفراداً متناثرات.. هذا دأب الطيور.. تغرد معاً.. تقبض وتبسط أجنحتها معاً فهل أنت أقل حالاً منهم..؟!

       وهل أنت دونهم طموحاً ومطمحاً؟

أوماسمعت قوله تعالى ينبه على جمال وجلال ذلك التآلف.. وهذا التحالف الجماعي كما في قوله قال تعالى “أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن من يمسكهن إلا الرحمن”[1].

ولله من قال في هذا المقام

السرب ما في السرب من

                                  عجب لذى قلب يعي

تنضم حين جلائه

                                  اشـلاؤه فـي مجمع

من غير ميعاد تقدم

                                  للرحيــل المزمـع

وبلا اصطدام في الزحام

                                  محطم ومصـــدع

لذلك ينبغي على العاقل ألا يغرد خارج السرب وأن يلزم سربه ويقصد دربه.. ويمضي بمضيهم ويغرد بلحنهم..ويشدوا بشدوهم وألا يبدوا نشازاً..

ولله القائل:

بلبل أنت ففي الأرض امرح

                                  ومع السرب بلحن فاصدح

ومن كان طيراً خرج عن بيئة الطيور لقي حتفه ورداه على ما قال القائل:

كل من أوتي حظاً من حياة

                                  في سوى بيئته يلقى رداه

وهكذا فإن بيئة الداعية هي كل مكان يدعو فيه وليست قصراً على ميدان البرلمان.. ليتقصدها وحدها دون غيرها.. ويجالد ويحادد إخوانه في سبيلها.

احذروا الفرقة.. ومنابر الضرار..!!

       من منا لا يعرف مساجد ضرار؟! يوم أراد بعض المنافقين من المسلمين أن يشقوا الصف الإسلامي، ويقيموا مسجداً ظاهره الرحمة وباطنه فيه المكر والضرار بالمسلمين، أمر رسـول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه..بل وبتحريفه..[2]

       أخي هذا حال مسجد أمر رسول الله بحرقه وتهديمه لأنه ماكان وفق المخطط النبوي ولا على هديه.. وإن تمسح ذووه بأنه مسجد وإن زينوه وزخرفوه فإنما هو زخرف الغرور آل إلى النار والبوار..0 وكذلك الحال في التنافس على منابر البرلمان والتي يفترض في السير إليها أن يكون سعياً لله وعلى سنن رسول الله وعلى هدي من الإسلام وإلا كانت منابر ضرار.. إلى النار مثواها وعقباها..!!!

احذروا الفرقة وبذور الفتنة واذكروا مساجد الضرار قديماً ومنابر الضرار حديثاً.

احذروا الغيرة من الآخرين..فإنها رأس الفتنة. ومقبرة المربين..

       الغيرة من الأسباب الرئيسية في تلك الظاهرة الخطيرة من تدافع على الرئاسة والوجاهة..! ولكم أفسدت النفوس..!! ولكم مزقت ستور الإخلاص..! ولكم قطعت أواصر القربى..

وكم وكم وكم……!!

       ولننصت إلى تلك العبارات المعبرات في التحذير منها على الدعوة ومثلها وغاياتها وما أشد حاجتنا إليها وقد أوشكت ظلال الانتخابات أن تعمنا.. وكم يثير هذا من نفوس.. ويمد من أعناق.. ويوقظ من مطمع..:-

الغيرة من الأخرين: ومن الأسباب التي تؤدي إلى السقوط على طريق الدعوة الغيرة القاتلة من الآخرين وبخاصة من المتقدمين والمرموقين والموفقين والذين أوتوا نصيباً من الأهلية التي يفتقدها أولئك..

       فالجماعات تضم بين صفوفها أصنافاً شتى من الناس، ومستويات شتى من المؤهلات الشخصية والنفسية والعصبية والفكرية، فالذكاء مستويات.. والثقافة مستويات.. والقدرة على الكتابة والخطابة مستويات.. وهذا ما يجعل العاملين متفاوتين فـي العطـاء والتأثير والتفاعل وفـي كل شـيء، وهـو أمر طبيعي وبديهي..

       ولكن بسبب الغيرة أحياناً يرفض (المحدودون) أن يلتزموا حدودهم، فيعمدون إلى (التسلق) بشكل وبآخر فيجتهدون أنفسهم بدون طائل.. وقد يصاب بعضهم بصدمات نفسية تلقي بهم خارج الصف، أو تدفعهم إلى الانتقام لأنفسهم ممن يعتبرونهم سبباً في فشلهم.. وهنا قد تقع الطامة حيث يتجاوز المرء حدود كل شيء –متفلتاً من كل المثل والقيم والأخلاق- لينال من أخيه الذي أضحى عنده عدواً لدوداً، لا ترتاح نفسه قبل أن ينتقم منه[3].

وكأن التاريخ يعيد نفسه..

       ولكأن التاريخ يعيد نفسه، وصورة الغيرة القاتلة تتكرر، من لدن ابني آدم (قابيل وهابيل) حيث قال الله تعالى فيهما “واتل عليهما نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر” قال: لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يديك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين”.

       والقرآن الكريم بشير إلى داء الغيرة والحسد في مواقع كثيرة.. من ذلك قوله تعالى:” أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً”.

       والرسـول صلى الله عليه وسلم يحـذر مـن الغيرة والحسـد فـي أحاديث كثيرة، منها:

       فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم.. المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا، التقوى ههنا، وأشار إلى صدره.

إنما يتأتى الخلل قصور في منهجية الحركة نفسها ثم من أسباب تتعلق بأفراده!!

       بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله..”[4].

فلننتبه…. وقبل وقوع الواقعة

       ما يحدث هذه الايام من تدافع وتداع وتكاثر.. على الظهور والبروز وتولي المهام..في غير زهادة وفي غير مبرر وفي غير تنظيم.. نذير على الحركة الإسلامية أجمع.. وداع من دواعي إعادة ترتيب الأوراق.. وتحسس مكان الخلل وموضع الزلل للعمل على علاجه قبل وقوع الواقعة.. وقبل أن يهتف بنا الناعي:

                     لا نسب اليوم ولا خلة

                                  اتسع الرقع على الراقع

       وأظن من وجهة نظري أن سبب الخلل يجمع بين أسباب في منهجية الحركة نفسها وأسباب تتعلق بالأفراد..

       وأرى من الأجدى أن نتحسس معاً أهم تلك الأسباب فيما يتعلق بالحركة نفسها وهي على الآتي:-

أولاً: ضعف الجانب التربوي

       فالجانب التربوي قد يأخذ من الحركة حيزاً محدوداً في حين تطغى الجوانب الأخرىالإدارية والتنظيمية والسياسية على كل شيء

       ويبرز هذا بشكل واضح وجلي ودائم في حياة القادة والإداريين والذين يتولون الشؤون السياسية والاجتماعية مما يجعلهم مقطوعي الصلة بالتربية والشؤون التربوية نظرياً وعملياً، وبالتالي يجعل علاقاتهم واجتماعاتهم وممارساتهم جافة خالية من طلاوة الربانية وعذوبة الروحانية..

       والأجواء الجامدة تبعث دائماً على التوتر والحساسية بعكس الأجواء الروحية التربوية الرطبة بذكر الله ورقابته.

       والمسؤول السياسي أو الإداري أوالاجتماعي وغيره وهو على ثغرة مسؤوليته قد يظن أنه بلغ سنام الأمر وحقق ذروة النصر، من غير أن يحس بالخواء النفسي والروحي والإنكفاء التربوي، ومن غير أن يشعر بالتآكل الإيماني في حياته.. وهو إن لم يفطن لذلك ويبادر لاستنقاذ نفسه فإنه ساقط لا محالة..

       فتعهد الأفراد بالتربية –جنوداً وقياديين- يجب أن يكون شغل الحركة الشاغل كائناً ما كان الظروف من حولها..

       بل إن الظروف السيئة التي تمر بالدعوة أحياناً تفرض المزيد من الاهتمام وليس العكس، لأن احتياج الناس إلى الرعاية والاهتمام والتذكير إنما يكون أكبر في الظروف الاستثنائية.

       إن منطقاً يجب رفضه بالكلية، وهو منطق اعتبار بعض الأشخاص فوق التربية، أو بدون حاجة إلى التربية، أو أنهم تجاوزوا مرحلة التربية.. وهذا المنطق هو الذي يورد هؤلاء الناس موارد التهلكة، ويتسبب في إسقاطهم أو سقوطهم..

       إن هذا المنطق يتناقض بالكلية مع الإسلام وفلسفته التربوية التي تعتبر الإنسان في امتحان دائم مع دعوته وفي اختبار مستمر مع دينه.. والتي تفرض عليه دوام العناية بنفسه، والرقابة لربه، والتعهد لسلوكه، والتنمية لإيمانه.

       فقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، والفتن تعرض على القلوب كالحصير عوداً عوداً، والمؤمن يخشى دائماً سوء المنقلب ويسأل الله تعالى حسن الختام..

       فالحركة التي تضعف قدرتها التربوية عن متابعة أفرادها –كل أفرادها- بما يحتاجون من تعهد وتربية ستصاب بنيتها[5].

ثانياً: الغفلة عن وضع الفرد المناسب في المكان المناسب 

       هذه المشكلة تؤدي باستمرار إلى فشل العمل وخسارة العاملين..

       والحركة الواعية الناضجة هي الحركة التي تعرف قدرات أفرادها وميولهم ومواهبهم، وتعرف نقاط القوة والغضب عندهم.. ومن خلال ذلك تختار لكل فرد ما يناسب ويتناسب مع قدراته وميوله وطبيعته ومستواه..

       فإذا كانت الحركة على غير معرفة دقيقة بمعطيات أفرادها فلن تنجح في اختيار المواقع المناسبة لهم0

       وإن كانت الحركة لا تعرف ما يحتاجه كل موقع من مواقع العمل فإنها لن تتمكن من ملئه بشكل سليم وحسن..

       وإذا تحكمت في عملية الاختيار هذه غير الاعتبارات الموضوعية اختل التوازن في عموم المعادلة.

       فمثلاً.. حين تتخذ الحركة قراراً ما بخوض معركة انتخابية قبل أن تهيء لها أكفاءها والمؤهلين لتمثيل أفكارها فيها فإنها ستضطر حتماً إلى تقديم كفاءات ليست في المستوى وستكون خاسرة بدون أدنى شك..!!

       وحين تضطر حركة ما-تحت ضغط الاتساع الافقي لرقعة عملها- إلى تقليد عناصر غير مؤهلة مسؤوليات القيادة فإنها تكون بذلك قد سلكت طريقاً غير سوي يمكن أن يضر بالقاعدة وبمن انتدب لقيادتها معاً..

       وحين لا يخضع العمل لقواعد وأصول مدروسة ولا يقوم وفق مخططات ومناهج موضوعة.. وحين لا يعرف ما ينبغي عمله اليوم وما يجب تأجيله إلى الغد.. وحيت لا يفرق بين ما هو مهم وبين ما هو أهم، ولا ترتب الأعمال وفق الأولويات.. عندئذ يحدث الخلل وتضطر الحركة إلى ملء الشواغر والفراغات بأسماء وليس بأكفاء، فيوسد الأمر لغير أهله.. وإذا وسد الأمر في الحركة لغير أهله فانتظر ساعتها..

       إن على الحركة أن تصنف طاقات عناصرها بحسب اختصاصاتهم ونجاحاتهم..

*ففريق يفرز للشؤون التربوية..

*وفريق يفرز للشؤون السياسية..

*وفريق يفرز للشؤون المالية والاقتصادية..

*وفريق للشؤون الرياضية..

وهكذا في كافة الشؤون الأخرى..

       ثم إن عليها أن تحدد خطواتها وفق القدرات التي تجمعت عندها في كل جانب.. فإن هي فعلت غير ذلك سيفلت الزمام من يدها وستفقد القدرة على التحكم في سيرها واختيار الشخص المناسب للجانب المناسب في عملها، وعندئذ سيكون حالها كحال مركبة تعطل مقودها فهي تسير إلى المجهول..[6]

ثالثاً: ما ذئبان جائعان اجتمعا….؟![7]

هذا العنوان ليس لغزاً وإنما مطلع حديث يحفظه جل أبناء الحركة الإسلامية حديث له دلالته..0 وله مقتضاه..0

وأجدني مدفوعاً بحكم المقام الذي نقومه.. والسياق الذي نتبعه.. والحال الراهن من واقعنا الانتخابي الذي نغشاه بحكم هذا كله أذكره مع قبسات تربوية موضحة من شرح الحافظ ابن رجب الحتبلي ولنحن أحوج إلى تلك القبسات والحاتل هكذا.. فاسمع أخي وأنصت.. وعب وانهل.. والتزم كـلام سيدي وسيدك وسيد الخلـق سيد المربـين محمـد صلـى الله عليـه وسلم ….

أخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث كعب بن مالك الأنصاري- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه قال:”ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه”[8].

وله روايات أخرى من حديث جابر رضي الله عنه :”ما ذئبان ضاريان باتا في غنم غاب رعاؤها بأفسد للناس من حب الشرف والمال لدين المؤمن” وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه :”حب المال” بدل “الحرص”.

       قال ابن رجب فهذا مثل عظيم جداً ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لفساد دين المسلمين بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وإن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين باتا في الغنم قد غاب عنها رعاؤها ليلاً، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان فيها.

ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذبين لهذه الغنم، بل إما أن يكون مساوياً وإما أكثر، يشير إلى أنه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا قليل، كما أنه لا يسلم من الغنم مع إفساد المذكورين فيها إلا قليل. 

فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدينا وليتنا نعي وننتبه ذلـك الحـرص المبالغ وغيـر المبرر فـي ميدان البرلمان..!.

أيها المرشحون إنما البرلمان وسيلة والدعوة غاية والعاقل لا يضيع الغايات الكريمات بالوسيلات المتغيرات!!

من فهم وتعليق سلفنا على الحديث

لسلفنا رضوان الله عليهم على ذلك الحديث تعليمات وتعليقات نستل منها في مقامنا هذا.. ما يخاطب الضمائر وينبه العقول على خطورة وجلل الحرص وإفساده للمسلمين..

قال السلف: فالحريص يضيع زمانه الشريف ويخاطر بنفسه التي لا قيمة لها في الأسفار وركوب الأخطار لجمع المال ينتفع به غيره كما قيل:

ومن ينفق الأيام في جمع ماله

                                  مخافة فقر فالذي فعل الفقر

قيل لبعض الحكماء: إن فلاناً جمع مالاً فقال: فهل جمع أياماً ينفقه فيها؟ قال:لا قال: ما جمع شيئاً..0!!

وقالوا: الرزق مقسوم والحريص محروم، ابن آدم! إذا افنيت عمرك في طلب الدنيا فمتى تطلب الآخرة.

إذا كنت في الدنيا عن الخير عاجزاً

                                  فما أنـت يــوم القيامـة صانـع 

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحسد أحداً على رزق الله، ولا تلوم أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره، فإن الله بقسطه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.

       وقال بعض السلف: إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طبعاً فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت لكل أحد راصداً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.

       كان عبدالواحد بن زيد يحلف بالله لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعدى أعدائه.

       وكان يقول: يا أخوتاه! لا تفطموا حريصاً على ثروته وسعته في مكسب ولا مال وانظروا له بعين المقت له في اشتغاله اليوم بما يرديه غداً في المعاد ثم يتكبر.

       وكان يقول: الحرص حرصان، حرص فاجع وحرص نافع، فأما النافع فحرص المرء على طاعة الله، واما الحرص الفاجع فحرص المرء على الدنيا.

       وكتب بعض الحكماء إلى أخ له كان حريصاً على الدنيا: أما بعد، فإنك أصبحت حريصاً على الدنيا، تخدمك وهي تخرجك عن نفسها بالأعراض والأمراض والآفات والعلل، كأنك لم تر حريصاً محروماً ولا زاهداً مرزوقاً ولا ميتاً ولا متبلغاً من الدنيا باليسير.

       عاتب اعرابي أخاه على الحرص فقال له: يا أخي! أنت طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، كأنك يا أخي لم تر حريصاً محروماً زاهداً مرزوقاً.

       وقال بعض الحكماء: أطول الناس هما الحسود، واهنؤهم عيشاً القنوع، وأصبرهم على الأذى الحريص، وأخفضهم عيشاً أرفضهم للدنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرط.

الحرص..0 والإمارة..0 كيف..0 وأين..0 ولم؟

       وأما حرص المرء على الشرف فهو أشد هلاكاً من الحرص على المال، فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها والرياسة على الناس والعلو في الأرض أضر على العبيد من طلب المال وضرره أعظم، والزهد فيه أصعب، فإن المال يبذل في طلب الرياسة والشرف.

       والحرص على الشرف على قسمين: أحدهما طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال، وهذا خطر جداً، وهو في الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها وعزها، قال تعالى:”تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين” (القصص:83).

       وقل من يحرص على رياسة الدنيا يطلب الولايات فيوفق، بل يوكل إلى نفسه كما قال النبي صلى الله لعيه وسلم لعبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه:”يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة، فإنك إن اعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن اعطيتها من غير مسألة أعنت عليها”.

       قال بعض السلف: ما حرص أحد على ولاية فعدل فيها.

       وكان يزيد بن عبدالله بن موهب من قضاة العدل والصالحين، وكان يقول: من أحب المال والشرف وخاف الدوائر لم يعدل فيها.

       وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة”.

       وفيه أيضاً عن ابي موسى الاشعري رضي الله عنه أن رجلين قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! أمرنا، قال:”إنا لا نولي أمرنا هذا من سأله ولا من حرص عليه”.

أخي سلفنا قد تورعوا عن الفتيا..0 فهلا تورعت عن أخطر منها..!

قال الحسن: لا يكون حظ أحدكم من علمه أن يقول الناس له عالم.

       وفي بعض الآثار أن عيسى عليه السلام قال: كيف يكون من أهل العلم من يطلب العلم ليحدث به ولا يطلبه ليعمل به!

       وقال بعض السلف: بلغنا أن الذي يطلب الأحاديث ليحدث بها لا يجد ريح الجنة، يعني من ليس له غرض في طلبها إلا أن يحدث بها دون العمل بها.

       ومن هذا القبيل كراهة السلف الصالح الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها والإكثار منها.

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار” وقال علقمة: كانوا يقولون: أجرؤكم على الفتيان أقلكم علماً.

       وعن البراء قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسئل أحدهم عن المسألة ما منهم من رجل إلا ود أن أخاه كفاه.

صدق سلفنا الحرص حرصان حرص فاجع، وحرص نافع! أترى الحرص على اعتلاء قبـة البرلمان مـن أي نـوع ومـن أي فرع؟!!

       وفي رواية: فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول.

       وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أنا الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون.

       وسئل عمر بن عبدالعزيز عن مسألة فقال: ما أنا على الفتيا بجرىء.

يوسف والخزائن (غنيمة – أو مسئولية):

       من جميل ما وقفت عليه في هذا المقام هذا الفهم الواعي للأستاذ المفكر المنظر الإمام الذي نحسبه شهيداً في سبيل الله العلامة سيد قطب حيث قال رحمه الله معقباً على قول يوسف عليه السلام للعزيز “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم“.

قال سيد قطب رحمه الله:”فانه كان حصيفاً في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة، وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات، لا زرع فيها ولا ضرع فليس هذا غنماً يطلبه يوسف لنفسه، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد أنه غنيمة،إنما هي تبعة يهرب منها الرجال، لأنها قد نكلفهم رؤوسهم”.

وقد فهم الفقيه الأندلسي أبو بكر الطرطوشي من قول يوسف:”أن من حصل بين يدي ملك لا يعرف قدره، أو أمة لا يعرفون، فخاف على نفسه، أو أراد إبراز فضله،: جاز له أن ينبههم عن مكانه وما يحسنه، دفعاً للشر عن نفسه، أو إظهاراً لفضله فيجعل في مكانه”.

قال:”وفيه فائدة أخرى: وهو أنه إن رأى الأمور في يد الخونة واللصوص ومن لا يؤدي الأمانة، ويعلم من نفسه أداء الأمانة مع الكفاية: جاز له أن ينبه السلطان على أمانته وكفايته

ولهذا قال بعض العلماء من أصحاب الشافعي: من كمل فيه الاجتهاد وشروط القضاء: جاز له ينبه السلطان على مكانه ويخطبه خطة القضاء.

وقال بعضهم: بل يجب ذلك عليه إذا كان الأمر في يدي من لا يقوم به”[9].

ونعلق فنقول:-

       ذلك هو حال يوسف الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم فهو يوسف الصديق النبي بن نبي الله يقعوب بن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم فلنع هذا حد الوعي ونحن بصدد مسئولية جمة وخطب جسيم يتمثل فيه حصاد الفكر الإسلامي في ذلك المتقدم..فينظر إلى أين الخطو..؟! أهو إلى أمانة وتبعة يقوم بحقها ويرى من نفسه أهليته لها..؟!

       فلا بأس عليه فليخطو فيتلطف ويقظة وأدب إسلامي يحمل التعريف بنفسه في خطابه ومداخله ومخارجه..

       وليعلم أن الله مظهر ما في النفس في اللفتات والنفثات والكلمات والحركات.. فإن خيراً فخيرا وإن غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه

ومن هنا نهتف:-

أقدم أيها الكفؤ..ولتكن يوسف السنين العجاف:

       وهنا ننبه على جواز أن يخطب المرء لنفسه خطة القضاء..والمسئولية ما دام أهلاً لها وهذا ما استنبطه علماؤنا من قصة يوسف السابقة نفسها ولتسمع معاً إلى فهمه فقيه الأندلس أبو بكر الطرطوش من قول يوسف:”إن ما حصل بين يدي ملك لا يعرف قدره، أو أمة لا يعرفون، فخاف على نفسه، أو أارد إبراز فضله: جاز له أن ينبههم عن مكانه وما يحسنه، دفعاً للشر عن نفسه، أو إظهاراً لفضله فيجعل في مكانه”.

       قال:” وفيه فائدة أخرى: وهو أنه رأى الأمور في يد الخونة واللصوص ومن لا يؤدي الأمانة، ويعلم من نفسه أداء الأمانة مع الكفاية جاز له أن ينبه السلطان على أمانته وكفايته.

       ولهذا قال بعص العلماء من أصحاب الشافعي: من كمل فيه الاجتهاد وشروط القضاء: جار له أن ينبه السلطان على مكانه ويخطبه خطة القضاء.

       وقال بعضهم: بل يجب ذلك عليه إذا كان الأمر في يدي من لا يقوم به”[10].

ولينتبه الكفؤ..وليدرك بالأمارات والقرائن أنه مطلوب لهذا

وهذا أيضاً مستفاد من القصة السابقة حيث أنه لم يطلب ما طلب إلا من بعد تعريض ظاهر بتأميره من قبل العزيز، هلى ما يدل عليه سياق السورة، فإن العزيز قال:”ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين“.

فطريقة الإيجاز البلاغي القرآني حذفت ما يفهم ضمناً، فإن رسول الملك قال ليوسف فيما يبدو: أن الملك يدعوك، وقد سمعناه يفصح عن رغبته في استعمالك وتأميرك، وتأكد ذلك ليوسف في الإشارة الواضحة في خطاب الملك له حين وصفه بالتمكن والأمانة.

[1] سورة  الملك 19

[2] انظر السيرة النبوية لابن هشام وانظر المتساقطون على طريق الدعوة ص27،28

[3] انظر السابق ص101 ، 102

[4] الحديث في الصحيح، وانظر فتحي يكن المتساقطون على طريق الدعوة ص103.

[5] انظر المتساقطون على طريق الدعوة ص53

[6] السابق ص59 ، 60

[7] انظر شرح حديث ما ذئبان جائعان للحافظ ابن رجب الحنبلي ص7 ، 8- تحقيق بدر البدر ط الدار السلفية الكويت د.ت

[8] قال الترمذي : حديث حسن

[9] انظر العوائق للاستاذ محمد أحمد الراشد ص98 ،99 تفسير الظلال للأستاذ سيد قطب (سورة يوسف).

[10] السابق نفسه.