بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
إن الفتن لا تهجم فجأة ولكنها تنسل إلى الأفراد والمجتمعات كتسلل الشيطان [ إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ] فتبدأ بكلمة لتنتهي بانفجار مروع يهز الأمة وتاريخنا شاهد على ذلك.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم محذرا من التهاون وعدم الالتفاف إلى زحف الفتن واستصغارها عند بدايتها، قال صلى الله عليه وسلم:[تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ] ص.ج.ص (2957).
| لا بد من رصد علاج الهواجس والخطرات في أي تجمع حتى لا تصير عزمات وحركات فعادات يصعب التعامل معها. |
وبيان هذه الأمور خطوة في البداية، فميدان العمل فيه سعة لمن شحذ همته، وبذل نصحه، ونسأل الله أن نخلص النية وألا نطيل بمكرر لعل ما فيها يثلج الصدر، ويبرد الوحر ويطمئن لها قلب من له طلب مليح وقصد صحيح.
وتوضيحنا لبعض ما نراه سببا لحصول فتنة كبرت أم صغرت ليس تقليلا من قدرة العاملين في الحقل الإسلامي على معرفة الأمور بل كما قال ابن رشد: ما من مسألة وإن كانت جلية في ظاهرها إلا وهي مفتقرة إلى الكلام على ما يخفى من باطنها، وقد يتكلم الشخص على ما يظنه مشكلا وهو غير مشكل على كثير من الناس، وقد يشكل عليهم ما يظنه هو جليا ..
لا تحقرن صغيرا في مخاطبة إن البعوضة تدمي مقلة الأسد
وللشـرارة حقر حين تنظرها وربما أضـرمت نارا على بلد
علاج الهواجس والخطرات:
1- لا بد من رصد وعلاج الهواجس والخطرات والإرادات في أي تجمع، من قبل أن تصير عزمات فحركات فعادات يصعب التعامل معها وقد استقرت كأعراف، ينشأ عليها الجدد فيصعب علاجها..
ولا تحتقـر كيد الضعيف فربما تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هد قدما عرش بلقيس هدهد وخـرب فأر قبـل ذا سـد مأرب
كان نصر بن سيار يحذر الأمويين من دعوة العباسيين التي تنتشر شيئا فشيئا، وكانوا لا يعبأون بذلك حتى استفحل الأمر، فأرسل إليهم بهذه الأبيات:
| أرى خلل الرماد وميض نار فإن النار بالعودين تذكى فإن لم يطفها عقلاء قوم فقلت من التعجب ليت شعري |
فيوشك أن يكون لها ضرام وإن الحرب أولها الكلام يكون وقودها جثث وهام أأيقاظ أمية أم نيام |
استفادة مرجوة:
1- لا بد من المحافظة على كل مكسب ولو كان عقال بعير كان يؤدى لهذه الدعوة المباركة، فالدعوة سلسلة متصلة من الإنجازات، وهذا لا يعني عدم مراجعة مكونات المسار الدعوي وحلقاته، لمعرفة صلاحيات الوسائل والطرق، من أجل الاستفادة من كل التراكمات والخبرات والتجارب والخطط ليتآلف هذا كله فيؤدي عملية بعث جديد ودورة من دورات التجديد.
احتراز وواجب:
1- لا بد من رصد لاتجاهات الرأي العام داخل جماعات الدعوة لمعرفة أماكن الخلل ومواطن الصواب في المناهج وطرائق التفكير مع فتح باب الحوار وحلقات الرأي، حتى يقطع التشرذم والتشبع الحركي الداخلي، وحتى لا تتلوث البيئة الداخلية وينفرط رباط المحبة والإخاء، ونظن أننا بهذه المنهجية سنطرد باب التأويل المفتوح على النوايا واتهامها، ونتقبل الرأي المقابل في فهم النصوص الدعوية وتفسيرها وتنفيذها، فليست هناك أي مصادرة لحقوق الغير في أن يحوز الصواب أو بعضا منه.
النظرة الموضوعية:
1- لا بد من حين المعالجة لمشاكل الدعوة من الالتزام بالنظرة الموضوعية المؤسسة على معطيات محددة بعيدا عن الاستغراق في العموميات وذلك في محاولة للإجابة على منظومة الأسئلة الأساسية، ولرسم التوجهات في المسارات الحركية المتخلفة لوضع مجموعة بدائل متصورة للمرحلة المرتقبة.
وهذه المنهجية تستلزم أن تكون لنا أذان صاغية وعقول واعية وصدور رحبة لكل إضافة منهجية موضوعية تكمل سلسلة المعاني الدعوية الكبيرة، إذن لا بد من السماع للرأي الآخر حتى لا تكون الفرقة والاختلاف.
قال بشار بن برد:
| إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ولا تجعل الشورى عليك غضاضة |
برأي نصيح أو نصيحة حازم فإن الخوافي قوة للقوادم |
رأي أبناء الدعوة:
1- لا بد من عمل استفتاءات لمعرفة الرأي العام في داخل مجتمعات الدعوة بغية التعرف على اتجاهاته، وأن تؤخذ نتائج الاستفتاء في الخطط والاستراتيجيات ورسم السياسات والأهداف العامة والخاصة القريبة والبعيدة، وهذا كله حتى لا تحدث هناك حالة انفصام منهجي فتولد الخطط الغريبة بين أهلها، وحتى لا تكون الحوارات بين الدعاة أشبه بحديث الطرشان.
وقال آخر:
| إن اللبيب إذا تفرق أمره وأخو الجهالة يستبد برأيه |
فتق الأمور مناظرا ومشاورا فتراه يعتسف الأمور مخاطرا |
مواجهة جريئة:
1- لا بد من مواجهة التحديات بشيء من الجدية والواقعية والعلمية وهذا ما يقوله الإمام البنا رحمه الله تعالى عن حال الدعاة في عملهم الدعوي، فهم يواجهون جملة من التحديات لا يسعهم تجاوزها بدون فقه واع ذي خصائص متميزة؛ الربانية بابه الجامع، والفعالية والجدية والواقعية والمثالية والكفاءة فصوله، والهموم الفطرية المحلية وقضاياها المعيشية اليومية والتأثيرات الإقليمية والعالمية مسائله ومباحثه التي يحكم عليها، كل هذا لكيلا يحدث الفتور ويدب الضعف ويظهر الوهن ويحل الموت..
تصحيح المفاهيم:
1- لا بد من تصحيح منهج فهم النصوص وتطبيقها وتنفيذها، فمنهج الفهم يعتمد على العلاقة بين العقل وقوة آلته، ووضوح النصوص ودقة دلالتها، كما أن منهج التطبيق يعتمد على طبيعة العلاقة بين العقل والواقع والقدرة على تفهم ملابسات الحدث الذي يتأثر بالأعراف والأحوال والزمان، ومعرفة الحالة مسألة بينها الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين في موضوع تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.
قال المتنبي:
| وكم من عائب قولا صحيحا | وآفته من الفهم السقيم |
بين الأقوال والأعمال
1- لا بد من تجديد عهد الأخوة والمحبة بين العاملين في الحقل الإسلامي حتى لا يكون هناك انفصام بين الشعارات التي نحملها ومقتضيات هذه الشعارات في واقع حياتنا وعلاقاتنا فتحدث الفتنة فيتسور علينا الشيطان، ويدس أنفه ويبث أراجيفه.
وقد يكثر الإخوان في السراء ولكنهم يقلون في الضراء وفي ذلك المعنى جاء قول الشاعر:
| إن أخاك الحق من يسعى معك ومن إذا ريب الزماك صدعك |
ومن يضر نفسه لينفعك شتت فيك شمله لينفعك |
الإقدام المبني على الحقائق:
1- لا بد من وقفة جادة في محاكمة الأمور ومراجعتها واتخاذ القرارات العلمية الجادة. ذات الأثر في مسار العمل وإنتاجيته بدلا من الاختباء خلف عبارة “الأحوط” والتوقف عن إصدار الحكم بالخطأ أو الصحة على أي تصرف أو موقف، وقد قيل إن التوقف عند غير موارد الشبهات مذلة للعقل، مفسدة للرأي مضيعة للحزم.
قال الشاعر:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم
القوة الغلابة:
1- لا بد من بث روح التحفز والتحرش بالواقع مراغمة ومغالبة لأعداء هذا الدين، وطرح البدائل وسرعة الاستجابة لمتطلبات الواقع حتى لا يدب إلينا الوهن.
وقال آخر:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فلم يبق للمضطر إلا ركوبها
معالجة الخلل:
1- لا بد من تحدي المنهجية في معالجة الأمور المعتادة والمتكررة في قاموس الدعاة اليومي والكيفية التي نقوم بتحليلها وسبر غورها ومعرفة أسبابها، فعلى سبيل المثال للأمور المتكررة: الفتور، ضعف الالتزام بالتوجيهات، أو التخلف عن التبرع والمساهمة المالية الدورية ، وكذلك التخلف عن حضور اللقاءات، أو غير ذلك من قائمة العلل والأدواء التي يعاني منها الصف في بعض الأحيان.
ونحن حين نذكر هذه العيوب لا يعني أنها متفشية في الجماعات الإسلامية ولكنها بلا شك موجودة بدرجات متفاوتة، وهي في الغالب فردية، ولكن لا بد من الاعتراف بوجودها لأن ذلك أول مراحل العلاج والتنبيه عليها نوع من التربية العلاجية تمنع الحدوث ابتداء أو على الأقل منع تفشيها والعمل على حصرها بإطار ضيق.
| إطلاق الحوار وحلقات الرأي داخل أي تجمع يجنب البيئة الداخلية التلوث ويقطع الطريق على التشرذم الداخلي. |
وأما السكوت عنها دون علاجها أو التنبيه عليها يجعل انتشارها وسط الأجيال الجديدة شيئا طبيعيا، بل وجود هذه الأمور في وسط الجيل الأول يجعل الجيل الجديد ينظر إليها على أنها أمور طبيعية وليست ظاهرة مرضية.
أبي الإسلام:
1- لا بد من أن يكون الانتماء إلى الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انتماء مصيريا لا انتماء هوية، وأن لا يكون التنفيذ للأعمال متى أحببنا ومتى شئنا، وهذا الذي ذكرنا حتى لا تكون الاستمرارية على الخطأ ..
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
إعطاء كل ذي حق حقه:
1- لا بد من الابتعاد عن البغي والتطفيف، وبخس الناس أشياءهم وإلحاق الأذى بهم، فإن انتشار عدم الإنصاف، وشيوع فقه الحيل والمخارج الشرعية، وأكل الحقوق، وغياب فقه المقاصد وميزان الاعتدال؛ يؤدي إلى ظهور التفرق وانتشار التعصب والغلو وفقدان ميزان العدل، وهنا يغيب الحق ويظهر الهوى..
وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: لو بغي جبل على جبل لدك الباغي.
| وجود الظواهر السلبية دون علاج في الجيل الأول لأي تجمع، يجعل الأجيال التالية تنظر إلى هذه الظواهر على إنها أمور طبيعية. |
دعائم التوازن:
1- حتى لا تنتشر مشاكل عدم التوازن بين النظرة المثالية الواقعية والجانب العاطفي، وبين البعد العقلاني المنطقي ومداراة الظروف والوقائع حتى لا يضيع الصواب في زحام القضايا والهموم وطغيان عموميات الابتداء، حتى لا نصل إلى عدم الاكتراث بمفهوم الحركة والزمن، ويغيب عنا التوازن بين البعد العالمي والبعد المحلي للدعوة إلى الله، حتى لا تنتشر هذه الأمور كلها لا بد عند مناقشة القضايا الدعوية من إطار يلتزم بـ:
أ- التقدير للموقف المراد مناقشته.
ب- رسم دقيق لحدود الإمكانات المتاحة للحركة عند المناقشة.
ج- طرح البدائل المتنوعة للتفاعل مع الواقع وتغييره حتى لا نحصر العلاقات في نمطية واحدة جامدة.
د- دراسة الواقع بكل تعقيداته وتشابكه ومداخلاته المختلفة.
التدبر في أوقات العافية:
1- لا بد من معالجة الأمور في وقت العافية فهذا أفضل من النظر إليها في وقت المشاكل والفتن فإنه يحدث في وقت الفتن وتدخل العوام ما لا يحدث في أيام العافية فمعالجة الأمور وقت الفتن قد يؤدي إلى التشرذم والتفسخ فتكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا..
حسم الأمور في أوقاتها:
1- لا بد من الانتباه إلى عدم التعويل الكثير على الوقت كعلاج، أو الانتظار حتى تأتي فرصة خارقة للعادة!!! فإن الحلول لا تقدم على طبق من فضة والداعية متكئ على أريكته.
اليقظة والتنبه:
1- لا بد من عدم الغفلة عن الحقيقة الاجتماعية التي تنص على أن الإنسان نتاج لبيئته، فإذا سرى في بيئته خلق معين أو سلوك محدد فهو لا محالة متأثر به، بل الأخطر من ذلك أن إلف الأوضاع غير المستقيمة والتعود عليها يكون في معظم الأحيان مدعاة لرفض الإصلاح والتقويم،[وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ..] (البقرة: 170).
لذلك لا بد من الاعتراف بأثر البيئة والمجتمع على التكوين التربوي للدعاة وحصول التأثير البيئي على نفس المسلم وتفكيره وهذا واضح في جعل أجر السابقين إلى الإسلام يفضل أجر اللاحقين أضعافا، وما ذاك إلا أن السابقين تنكبوا صعاب مخالفة بيئتهم، وتحرروا من سلطان الإيلاف على تفكيرهم [لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ..] وكذلك أجر المجددين وتميزهم لنفس السبب والعلة التي فضلت السابقين، وهذا الاعتراف بأثر البيئة من أجل أن لا يحدث الصراع النفسي داخل الداعية.
التفاعل مع المستجدات:
1- لا بد من تفعيل كامل لكل مكونات الدعاة في الحركة الإسلامية حتى لا ينحصر دور الفرد في الإدلاء بصوته في الانتخابات أو دفع ما يستوجب عليه من رسوم، أو تنفيذ ما يأتيه من أوامر، وهذه الحالة تتكون عندما يعزف الدعاة عن التفاعل الحقيقي مع مستجدات العمل، وعندما تهيأ تربة خصبة لقلة من الأفراد تنفرد بالرأي والقرار، ولا ترى في الآخرين إلا هياكل تنتظر أن تحركها الأوامر والنواهي، وتلوح بين الحين والآخر بعصا التنظيم.
| لا بد من معالجة الأمور في وقت العافية، فوقت الفتنة يتدخل العوام ويحدث التشرذم والتفسخ في جسم الدعوة. |
ولهذا لا بد أن ترافق كلمة الطاعة كلمة السمع التي تعني التفهم والإدراك [إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد] (ق: 37)، وهذا وإن كان موجودا في أدبيات الدعاة إلا أن الممارسات اليومية والقيادية في بعض الأحيان تحيد عنها..
أخي الكريم…
هذه مسائل نرجو أن تثلج الصدر وتبرد الوحر ويطمئن لها قلب من له طلب مليح وقصد صحيح.
وفي الأخير نقول لإخواننا: أي النفوس نحن معاشر الدعاة حينما نمدح أو نذم وحين يسكب عن خطأنا أو يشار إليه في معرض النصح والبيان وإليك أخي الكريم مقياس من التاريخ نفس متجردة وأخرى مستعلية ثم خذ بعد ذلك ما تشاء لقدوتك!!
أولا: نفس متجردة وهي التي تستشعر دائما أنما ستقف بين يدي الله وسيسألها عن انتصارها للحق والوقوف عنده: عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدخل يوما على ملأ من الصحابة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فيصعد المنبر فيقول: “لقد رأيتني من قبل أرعى لخالات لي من بني مخزوم، وأستعذب لهن الماء فيفيضنني القبضة من التمر والزبيب، وهنا يسأله ابن عوف رضي الله عنه: “ماذا أردت بهذا يا أمير المؤمنين؟ فيقول: “ويحك يا ابن عوف خلوت إلى نفسي فقالت لي: أنت أمير المؤمنين، وليس بينك وبين الله أحد فمن أحسن منك؟ فأردت أن أعرفها قدرها!
ثانيا: نفس مستعلية تتقاصر عن هذا الصلاح والرقي وتضعف أمام الرغبات والشهوات ونماذجها كثيرة منها ما روي عن أحد خلفاء بني أمية أنه أجاز للأخطل الشاعر أن يركب ظهر جرير الشاعر كما يركب الرجل البعير، وهذا ليس انتصارا للحق أو دفعا للباطل، إنما لأبيات من الشعر مدحه بها الأخطل لامست لبه، وأنعشت فؤاده، فأمر له بجائزة وزاده بأن يتخذ من ظهر جرير مركبا!!
هذه زوايا من رواق جميل يستظل به نفر كثير..
والحمد لله رب العالمين

