بقلم : الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

 

*أخطأ من شدة الفرح !!

قال لي صاحبي: رأيت الشيخ أحمد الكبيسي الذي كان يسبّح بحمد صدام قبل أيام على منبر مسجد الإمام أبي حنيفة في منطقة الأعظمية، وتعجبت كيف جاء بهذه السرعة ليتولى الخطابة؟ ومن سهل له الأمور حتى وصل خطيباً هناك؟

فقلت متعجباً من تعجب صاحبي: أولاً تعرف الرجل، لقد كان في يوم من الأيام شيوعياً قحاً، ثم انقلب فكان قومياً لا شارب له ولا لحية، ثم تحول إلى الصوفية وأضاف معها الشارب واللحية، ولعل بعض الجن وخاصة الصوفية المبتدعة الذين يتعاملون مع الجن، أقول لعل بعض الجن الذين أفلتوا من أغلال سليمان عليه السلام أراد أن يقلد الكبار من الجن فبدلاً من أن يأتي بالعرش البلقيسي جاء إلى بغداد بالسيد أحمد الكبيسي!!!

الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستجب لضغط الجماهير في مواجهة نتائج غزوة مؤتة وعندما نادى المسلمون على الجيش الإسلامي بالفرار ناداهم الرسول: بل هم الكرار.

فقال لي صاحبي: استمعت إلى الخطبة فما رأيتها خطبة كما درسناها في كلية الشريعة  في كتاب العبادات باب صلاة الجمعة، ولكنه خليط لا تُعرف له بداية ولا نهاية، شرق وغرب، وما بقيت بدعة إلا وساقها، كما أنني أعرف أن الصوت العراقي الحزين جميل في قراءة القرآن، وكنت أتمنى أن أسمع صوت الشيخ الكبيسي لعله يعوضنا بعضاً من الخطبة التي ضيعنا فيها ولكن للأسف الشديد فإن الصوت قد انفطع من المكبرات طوال فترة الصلاة.

فقلت له: وأيم الله، إنك لتحسن الظن، بل الأمر عندي كما حدثنا أستاذ في الفقه يدرس في إحدى جامعات مجلس التعاون الخليجي عندما كشف السر وقال إنه تلقى تعليمه في جامعة بغداد، وكان الكبيسي أحد الذين درسوا له، وكانت المفاجأة أن الكبيسي والذي يتصدى لأسرار القرآن اللغوية والبلاغية لا يعرف اتقان قراءة القرآن الكريم بل يلحن فيها أما عن مخارج الحروف وقواعد التجويد فهي ساقطة سقوطاً حراً وحدث ولا حرج.

      ما همني من هذا الحوار مع صاحبي، وقوفي طويلاً عند محتوى ومضمون خطبته الموجهة للأمة باعتبارها أول خطبة بعد سقوط نظام صدام، وكنا نتوقعها مليئة بالمواعظ والعبر، تتكلم عن نهاية الظالمين، كما تحدث عن أهمية الهدوء والتزام القانون والحفاظ على الوطن، لكنني فوجئت بتحويلها إلى بيان سياسي، والأغرب أنه أدخل أمراً شخصياً يتعلق بالشكل البدني لرئيس دولة خليجية.

فقلت في نفسي: لعله يريد أن يقول لهذه الدولة الخليجية إنك أخذت أكثر من حجمك بطريق غير مباشر، ثم نفيت هذا الطارىء على ذهني، لأنه لا مبرر له حيث كان بإمكانه أن يصرح بهذا الأمر مباشرة، وهو أمر مقبول بخلاف الحديث عن شكل أو وزن رئيس الدولة، وقلت لعل رئيس هذه الدولة أراد أن يتمدد في علاقاته الخارجية ولعله أبدى إعجابه بإحدى الماجدات طالباً يدها فاشترطت من عريسها الجديد أن يكون رشيقاً، واستبعدت ذلك أيضاً لأن ما هو معلوم أن الإشهار لعقد النكاح وليس للخطبة، كما أن جميلات اليوم لا ينظرن إلى رشاقة الرجل بقدر ما ينظرن إلى رصيده، فقلت إذن ما السر؟! وبعد النظر وتقليب الأمر جاءني خاطر من بعيد، وقال لي إنه لا يريد رئيس الدولة بل يريد وزير خارجيتها الذي انتهى دوره في المنطقة مثلما انتهى دور المؤسسة الإعلامية التي يرعاها، وكان بداية انتهاء هذا الدور من خلال الإعلان الذي تم تسريبه عبر وسائل الإعلام الغربية عن تبييضه للأموال والأرصدة التي في الغرب والتي جاءت من وجه غير مشروع،

القيادة المتزنة تقود ولا تُقاد، والقرار الحكيم يصدر بناء على معطيات وتمعن وليس استجابة لمبدأ:”الجمهور عاوز كده”.

ونحن على يقين أن من على شاكلته الكثير ولكنهم في الغرب يظهرون المعلومة عند احتياجهم لها، فالشيخ الكبيسي أخطأ في السماع ممن طلب أن يرسم مراحل وملامح وخطوط المرحلة القادمة ولكون الاسمين اسم أمير الدولة ووزير خارجيتها متطابقين فأخطأ الشيخ الكبيسي من شدة الفرح، مثل الخطيب الذي خطب عندما كنا صغاراً فأورد الحديث النبوي أن “المؤمن كيّس فطن” ولكنه قرأها “كيس قطن” فبدأ يتحدث عن النصاعة والبياض وصفاء القطن، والأمر لا يعدو كونه إما من جهل أو من شدة فرح للشيخ الكبيسي، وهكذا الدنيا ما هي إلا مسرح كبير لكل منا دور يقوم به ثم ينتهي، وللأسف الشديد يتحول البعض منا إلى ما يشبه أحجار شطرنج ينتظر أن تصله رسالة تقول له: كش ملك!!  

*مياه معالجة

هل يهيأ الشيخ الكبيسي ليعين مفتياً لأهل السنة في العراق؟

وهل هيأ هو هذا الأمر عندما تحدث من طرف خفي عن ضرورة وجود مرجعية عليا للعلماء للحكم على أداء السلطة العراقية الجديدة المنتظرة وإعطائها الشرعية من عدمه؟

ما يستدعي هذا القول اطلاعنا على تجارب سابقة وخاصة في دول أوروبا الشرقية بحيث يعين في الدولة بعد خروجها عادة من قتال داخلي أو خارجي مفتياً يمثل المسلمين أو الأقلية المسلمة في الدولة، على أن يتم اختيار هذا المفتي وفق معطيات وشروط خاصة، كأن يكون من عجينة تركيبتها النفسية واستعداداتها الذهنية وتوجهاتها الفكرية تتماشى وتتناغم مع مرحلة الهيمنة العلمانية الغربية الأمريكية ولا تتضارب أو تتعارض معها، ليكتمل الطيف المكون للواجهة التي تقود الدولة بكل لقطاتها الدينية والسياسية والاجتماعية والعسكرية في لوحة أمريكية سيريالية في مخيلتها أشعار أبي نواس، وليالي بغداد، وفي واقعها مغارة علاء الدين وسندباد بغداد، وثرواتها التي أصبحت فجأة بين يدي المارد الأمريكي الذي خرج من المصباح ليستولي على إرث والي بغداد المعتق!!

       ولن يكون هذا ولن يتم إلا باستكمال ألوان هذه اللوحة من ديمقراطية وحقوق إنسان وحرية المرأة وسيرى المجتمع العربي والإسلامي نماذج من هذه العجينة في كل المجالات، فهي عجينة عجيبة ماضيها شيوعي قومي  وحاضرها ليبرالي نفعي فهي طينة معجونة بمياه معالجة تفيد أهل الزرع والضرع حتى ولو كانت في داخلها وأصلها أمراضاً وتلوثات وأوبئة، ولكنها في نفس الوقت تنبت نبتاً سريعاً يستفيد منه الزارع.

عالمنا العربي ملىء بأحجار الشطرنج، وما بين فترة وأخرى سنسمع: كش ملك!!

       وللعلم فإننا سنرى في كويتنا مرشحين من هذه العجينة يعبرون عن هذا التيار القديم الجديد في كل منطقة انتخابية، وستكون لهم الجولة بصورة أو بأخرى ليس فقط بسبب ما سيحصلون عليه من دعم داخلي وخارجي، بل ولما تعيشه القوى الإسلامية للأسف من تفرقة وتشرذم على الرغم من نقاط الاتفاق الكثيرة التي تجمعها، أما في المناطق الانتخابية التي تحكم نتائجها بشكل كبير الانتخابات الفرعية، فسيصعب في هذه المرحلة اختراقها بهذه العجينة المسقية بمياه معالجة، ولكن سترسم الخطة لاحتواء من ستفرزه الانتخابات الفرعية، وإني لأرجو أن يكون ظني هذا خاطئاً ولكن هكذا كان بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكان يسأله هو عن الشر مخافة أن يدركه.

*القيادة الفكرية بين توجيه المجتمع وتثويره

القيادة الحكيمة والمتزنة لا تمارس التوجيه الفكري وتوعوية المجتمع من خلال التعسف والاستعجال وتنساق خلف بادي الرأي دون تمعن ودراسة للأمور، ومن الخلل الخطير أن تكون سياساتها وممارساتها استجابة للمقولة السيئة “الجمهور عاوز كده” كما أنه ليس من المعقول أن تكون قراراتها مجموعة من ردود الأفعال العاطفية، انسياقاً مع غوغائية الشارع أو بعض الأصوات التي تتكلم من منطلق فكر متدني قصير الرؤية لمجرد أن لها موقعاً بارزاً أو غير بارز في وسائل الإعلام، أو تأثيراً على الجماهير لسبب من الأسباب، بل القيادة الحكيمة التي تأخذ قرارها بعد دراسة وتأمل للظروف المحيطة واستهداف للمصلحة العليا حتى لو خالف ذلك توجهات الجمهور، وما نقوله اليوم ينطلق من أسس طبقها أفضل قائد عرفته البشرية وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكر الروايات أنه في يوم الجمعة من شهر جمادي الأولى عام 8 للهجرة تحرك الجيش الإسلامي إلى مؤتة وكانوا ثلاثة آلاف مجاهد بإمرة زيد بن حارثة رضي الله عنه لملاقاة مئة ألف مقاتل من الروم بقيادة أخو الإمبراطور “هرقل” ورغم الفارق في العتاد والعدد كانت المواجهة واستشهد زيد بن حارثة رضي الله عنه فتسلم القيادة جعفر بن أبي طالب فاستشهد رضي الله عنه، فتسلم من بعده عبدالله بن رواحة فاستشهد أيضاً رضي الله عنه، ولا يحسبن أحداً أن المعركة كانت هينة على الرغم من الفارق الواضح بين الطرفين فقد ذكرت السيرة الحلبية (ج2،ص192) أن المعركة استمرت سبعة أيام مما أذهل تماماً القوات الرومية، وخاصة بعد استلام العبقري خالد بن الوليد راية المسلمين، وكان استشهاد القادة الثلاثة في اليوم السادس من المعركة، وقد أبلى خالد بلاءً حسناً، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم عند استلام خالد للراية قال:”الآن حمي الوطيس” وقد قام خالد بحركة انسحاب رائعة لم تخطر على بال الرومان بعد أن هاجمهم وألحق بهم الخسائر وتكسرت في يده تسعة أسياف.

مغارة علاء الدين وثروات بغداد أصبحت فجأة بين يدي المارد الأمريكي الذي خرج من المصباح ليستولي على إرث والي بغداد المعتّق!!

وهذا الانسحاب البديع وهذه القوة الإسلامية جعلت الروم يزهدون في مطاردة خالد خوفاً من وجود مكيدة بالرغم من توافر خمسين ألف فارس رومي كانوا قادرين على الملاحقة، ورغم كل هذه العبقرية الحربية التي أبداها هذا الشاب المخزومي خالد بن الوليد إلا أن وصول الجيش إلى المدينة جعل حتى الأطفال في المدينة يرمونهم بالأحجار وينادون عليهم الفرارالفرار، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستجب لمطالبات الجمهور الإسلامي العريض في المدينة الذي يرى الفرار من الزحف إحدى الكبائر، وكان تقديره للأمور دقيقاً وسليماً ويرفع الحرج عن المجاهدين الذين جلس بعضهم في بيوتهم ولم يستطع الخروج أمام الناس حتى لو يقال لهم فررتم في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم:”بل هم الكرار في سبيل الله” هذا الموقف القيادي النبوي أعطى الحق لأهله بناء على معطيات المعركة وموازين القوى التي كانت موجودة، فهي أدخلت الرعب في قلوب الروم بهذا العدد المتواضع من الجيش الإسلامي، كما أن دعم الرسول للجيش وثناؤه عليه قد أعطى الدافع لخالد بن الوليد ليقدم المزيد من العبقرية العسكرية في المعارك التالية التي صبت في النهاية لصالح الإسلام والمسلمين.

       وهكذا هي القيادة تقود الناس ولا تقاد بهم، وهذا الدرس تعلمه الصحابة رضوان الله عليهم من الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستقبل عبدالله بن حذافة السهمي الذي قبّل رأس ملك الفرس الذي أطلق سراح عدد من الأسرى فقام عمر بن الخطاب بتقبيل رأسه وطلب من المسلمين أن يفعلوا مثلما فعل، فلم يترك عبدالله أن ينكسر نفسياً في مقابل المسلمين الذي علموا بواقعة تقبيل رجل مسلم لرأس رجل كافر، فنظر في المصلحة الشرعية للمسلمين وهو إطلاق سراح الأسرى في مقابل هذا العمل الذي قد يعتبره عوام المسلمين أمراً يجب المعاقبة والمساءلة. 

*اللغز العراقي

نستطيع أن نقول إن الحرب التي وقعت في العراق هي الحرب التي نقلت لنا وسائل الإعلام فيها كل شىء ولم تنقل أيضاً أي شىء، وكل اللقطات التي تم عرضها على ملايين المشاهدين لم تكن مقنعة على مفاصل أساسية في الأحداث ولنا هنا عشرة أسئلة مشروعة عن ما أسميناه اللغز العراقي:

1-ما هو مصير صدام حسين والصف الأول من القيادة العراقية؟ وهل مات صدام أم ما زال حياً؟ وهل هو في بغداد أم خارجها؟ وأين باقي العصابة من وزراء وقواد وحزب وبرلمان ومحافظين؟!!

2-لماذا لم تظهر وسائل الإعلام صور برزان ووطبان وجثة على الكيماوي؟ واكتفت بصورة السعدي الذي سلم نفسه طواعية.      

3-ما هو سر مطار بغداد وماذا حدث في الليلة الفاصلة بعد توعد العراقيين الجيش الأمريكي المحاصر بمصير أسود؟

4-لمذا لم يقصف الجيش العراقي الجسور التي تمنع القوات الأمريكية من التقدم نحو بغداد؟

5-ماذا حدث في ليلة سقوط بغداد وهل تمت خيانات أو صفقات في تلك الليلة؟ وكيف لم تصمد بغداد بينما مدن صغيرة كأم قصر صمدت أكثر من ذلك؟ وهل تدخل الروس لإتمام صفقة مع الأمريكان؟

6-أين هي أسلحة الدمار الشامل؟ وهل وجد الجيش الأمريكي بعضاً من هذه الأسلحة ولم يعلن عنها؟ وأين ذهب العلماء العراقيون؟ وهل استولت عليهم أمريكا ونقلتهم للولايات المتحدة دون أن تخبر أحداً؟ 

7-من الذي سرق الآثار العراقية ثم نقل كل هذه الآثار دون أن ينتبه أحد؟ وهل لليهود يد في ذلك؟ وكيف تم نقل كل هذه القطع دون أن ينتبه المعنيون؟

8-أين المعتقلات والأسرى والمساجين؟ ولماذا لم يظهر لهم أثر حتى الآن؟ وكيف يستطيعون الصمود بعد كل هذه المدة الزمنية؟ 

9-لمذا تم قصف موكب السفير الروسي؟ وهل كان ذلك جزء من حرب المخابرات للحصول على أرشيف النظام العراقي؟

10-ما هي الاتفاقات والصفقات التي تمت بين الأكراد والأتراك والأمريكان في شمال العراق؟

*الحركة الإسلامية بين حربين

المتأمل في المواقف السياسية والشعبية  وردود الفعل التي عرضتها وسائل الإعلام تجاه الحرب في العراق لا شك أنه لاحظ أن مواقف الحركة الإسلامية في حرب الخليج الثالثة عام 2003م قد اختلفت عن مواقفها في عام 1991 في حرب تحرير الكويت، وهذه الاختلافات لا يمكن الادعاء بأنها جذرية ومغايرة تماماً عن مواقفها في عام 1991م لاختلاف الأسباب والدوافع، فالحركة الإسلامية حركة لها شعبية واسعة ليس فقط على مستوى الدول العربية بل وعلى مستوى الدول الإسلامية وحتى  في المهجر، وبسبب هذه الشعبية التي تجاوزت شعبيتها تيارات أخرى وأكدتها بعض الانتخابات المتناثرة هنا وهناك في الدول العربية، فإن مواقف الحركة الإسلامية كانت تحت رصد وتغطية وسائل الإعلام، خاصة لطبيعة أرض الجزيرة العربية وكون الغزو العراقي للكويت حدثاً غير مسبوق في العلاقات العربيـة العربية .

سنشهد شخصيات معجونة بمياة معالجة ماضيها شيوعي قومي وحاضرها ليبرالي نفعي ستكون حصان طروادة المرحلة المقبلة للهجمة العلمانية الإباحية.

ففي عام 1991 اضطرب الصف الإسلامي بشكل واضح، ففي الوقت الذي علت الأصوات كثيراً ضد وجود القوات الأجنبية في أرض الجزيرة، كان هناك من يدعو إلى التعامل مع السبب وليس النتيجة، وهو إقدام صدام حسين على غزو الكويت، كما ظهرت فتاوى مضطربة في هذا المجال، كما أن هناك من أمسك العصا من النصف عندما دعا لانسحاب الجيش العراقي من الكويت، والقوات الأجنبية من الخليج، وكانت المظاهرات تخرج بعشرات الآلاف، يحفزها على ذلك إعلام غوغائي انتهازي خاصة بعد استغلال صدام حسين العلماني البعثي للخطاب الإسلامي في محاولة لكسب الشارع، وبعد أن تم تحرير الكويت كانت هناك تقاطعات ومراجعات كثيرة في الصف الإسلامي ومدى تأثره في مواقف الشارع التي عادة ما تتسم بالغوغائية، كما أن موضوع تحرير فلسطين وإعادة توزيع الثروات العربية، وجمود القضية الفلسطينية، ووجود كبت وقهر في كثير من الدول العربية، وتدني المستوى الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، كانت كلها أسباب غير مباشرة لاختلاط الأوراق وتداخلها، وهذا لا يعني أن بقية التيارات السياسية كانت ذات مواقف سياسية موحدة ومنسجمة ومتوازنة، لكن شعبية التيار الإسلامي جعلته في الواجهة، كما أن الطبيعة العربية في الاختلاف تجعل الرأي الآخر دائماً منبوذاً بل ومتهماً في بعض الأوقات بالعمالة والخيانة

أما في حرب الخليج الثالثة فإن كثيراً من الأصوات الشعبية الإسلامية كانت أكثر هدوءاً وتوازناً ولعلها قد استفادت من تجربة حرب تحرير الكويت، فنجد أن التيارات السياسية وخاصة اليسارية أيضاً ساهمت في المظاهرات الأخيرة، وكان جزءاً كبيراً منها يعمل بتوجيه من اللوبي العراقي التابع للنظام والمتشعب في العديد من الدول العربية، خصوصاً مع طرد عدد من الدبلوماسيين العراقيين من بعض الدول العربية بسبب أياديها الخفية في إثارة المظاهرات، رغم أن هذه المظاهرات لم تفد النظام العراقي كثيراً في حرب تحرير الكويت.

أما في حرب الخليج الثالثة فقد كان لافتاً للنظر أن الصوت الأعلى في الساحة العربية قد كان للمؤسسات الإسلامية والرسمية، فقد أصدر الأزهر بياناً يدعو فيه للجهاد ضد القوات الأمريكية، ونفس المضمون صدر عن مفتي سوريا الشيخ كفتارو، مما اعتبر في وقتها موقفاً مثيراً للأمر، خاصة وأن الأزهر تجاهل أوضاع مماثلة في دول أخرى مثل فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير وأفغانستان، فيما ترزح الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي في حالة سوريا.

أصحاب انتخابات الأربعة تسعات قد يغيرون اللعبة إلى أربع ثمانيات أو أربع سبعات ولكن لعبتهم جاءت متأخرة قليلاً.

ولو راجعنا البيانات والفتاوى والاجتهادات التي صدرت عن الشخصيات وقادة التيارات الإسلامية لوجدناها كانت حذرة جداً حتى مع تبنيها رأياً محدداً، وقد أرشد الكثير من مفكري وشيوخ الحركات الإسلامية الشباب إلى عدم الذهاب للجهاد في العراق لأسباب تتعلق بطبيعة المعركة وطرفيها ونتيجتها التي كانت شبه محسومة سلفاً.

هذه المواقف تجعلنا نأمل أن تكمل الحركة الإسلامية الرشد في التفكير بإضافة الرشد في آلية اتخاذ القرار، والاعتماد على مراكز الدراسات والبحوث المتخصصة قبل أن يلجأوا لاستعمال أفكار عامة مقولبة وتعتمد على مقولات أشبه بالشعارات المعلبة، فالعالم اليوم شديد التغيّر والمعطيات السياسية تستدعي دائماً الاطلاع على الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأحوال الناس والأنظمة.  

فمثلما هناك آليات وقواعد فقهية وأصولية، للوصول إلى إصدار الفتاوى بعد استفراغ الجهد للوصول إلى الحكم الشرعي، فهناك جهات متخصصة قادرة على توصيف دقيق للواقع من جوانبه السياسية والاقتصادية والعلاقات المتشابكة فيما بينها، وخاصة في مجال السياسة الشرعية التي يعتريها الكثير من الصعوبات تتعلق بتكييف الفتوى، والتي هي أساس فهم الفقيه للواقع ومعطياته، بالإضافة إلى ذلك فإن على الحركة الإسلامية أن تقود الشارع لما تعتقد أنه الحق والصواب وليس العكس بدعوى المحافظة على شعبيتها وسط الجماهير، فالجماهير في الغالب تتأثر بوسائل التوجيه والإعلام، وهذه الوسائل ليست بتلك النزاهة والحيادية بحيث تعطي الحقائق للجماهير دون تلوين أو توجيه، فهي غالباً ما تكون ملغمة بالأيدويوجيا، وبالتالي فإن التيار الإسلامي مطالب بصنع مواقفه المجددة بناء على ما يعتقد أنه الصواب مع الخروج من بوتقة الإقليمية لصنع رأي شرعي عولمي في القضايا المثارة، مع هدوء واتزان في التعبير عن مواقفه دون انفعال وتشنج وهذا هو الذي شاهدنا بعضاً منه في الحرب الأخيرة. 

*الدبابة الأمريكية والديمقراطية العربية

الزهو الذي تشعر به الولايات المتحدة نتيجة الانتصار السريع والحاسم الذي حققته في دولة عربية كبيرة كالعراق، يجعلها قريبة جداً من المنطقة العربية الحيوية لمصالحها، وهي بالتالي قادرة على توجيه فوهة المدفع للدبابة الموجودة في وسط بغداد إلى أي اتجاه شاءت سواء كان هذا الاتجاه شرق العراق أو جنوبه أو جنوبه الشرقي أو غربه أو شماله الغربي، فكل الأمور واردة وممكنة في الأجندة الأمريكية التي يدعمها إعلام جبار وحزمة من التلاميذ والأتباع المتغربين والمخلصين لسياساتها، وهذا لا شك يعطي للغرب القدرة على توجيه وتحديد مسار الصوت السياسي والاقتصادي والثقافي في المنطقة، وقد يشمل ذلك على سبيل المثال تحويل حزب الله إلى حزب سياسي يدخل اللعبة السياسية بكاملها في لبنان إلى جانب حركة أمل،

الأصوات الشعبية الإسلامية استفادت من دروس حرب الخليج الثانية، وكانت أكثر اتزاناً في التعبير عن مواقفها وإعذار المخالفين.

وسينتهي عهد المقاومة في الجنوب خصوصاً بعد أن تتعرض الدول التي تدعم وتساند الحزب إلى مخاطر توجيه فوهة الدبابة الأمريكية القابعة في بغداد تجاهها، كما نتوقع أن تخرج سوريا من لبنان، ويتحول لبنان إلى دولة فرانكفونية غربية وستصبح نموذجاً ومركزاً لتصدير الأخلاقيات والأفكار التغريبية إلى عالمنا الشرقي من خلال منظومة إعلامية لا بأس بها وقادرة على التطور في المراحل المقبلة ومن المرشح أيضاً أن تختفي العناصر الحزبية المعتقة في سوريا لتتناسب مع شعارات المرحلة القادمة: الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وهذا المخطط واضح ولا يحتاج إلى سبر غور الأحداث لكي نصل إلى هذه النتيجة، وهذه التغيرات ستشمل مناطق ودول أخرى، وما علينا إلا الانتظار لنرى كيف تصبح الديمقراطية الشعار المحبب لمن يصلون إلى كراسي الحكم بأرقام ونسب تتجاوز التسعات الأربعة!!