القواعد الذهبية في طريق الوصول إلى حكم النوازل الزمانية

 بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

أولاً: كل إنسان يأتي يوم القيامة فرداً والتقليد بالأحكام في النوازل لا يلتزم فيه المسلم برأي حزبه أو جماعته أو مذهبه، وإنما تأخذ ممن يعتقد أن في دينه وقوله الصواب، ويتحرى في ذلك، وبهذا قال شيخ الإسلام:” إذا نزلت بالمسلم نازلة يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم” (مجموع الفتاوى 20/208، 209).

ثانياً: إن ما تعيشه المجتمعات اليوم فيه من التعقيد والتشابك ما يستدعي النظر في القواعد الفقهية والمبادىء الأصولية حين إبداء الرأي، وعدم التمسك بنصوص بعض الفقهاء وشروطهم التي ليس فيها نص صريح أو إجماع لأن ذلك قد يؤدي بالمفتي أن يصدر حكماً يتعارض مع يسر الإسلام والذي هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم في رفع الحرج كما قال صلى الله عليه وسلم:” لول أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة” رواه مسلم.

ثالثاً: إن إصدار الأحكام الكبرى فيما يتعلق بالأمة يجب النظر في موضوعه من كل اتجاهاته وعدم التلاعب بالألفاظ، كما وأنه لا بد من إسقاط مفردات ومصطلحات الفقه ومباحث العقيدة والدين في مكانها فلا يخلط بين التولي والموالاة وبين الاستعانة والموالاة وبين الإكراه من عدمه أو التأويل من غيره وأن تستخدم القواعد في مكانها كقاعدة سد الذرائع مثلاً فلا يبالغ في الأخذ بها في تعطيل المصالح الكبرى، ولا يؤخذ بالاحتياط عند كل مسألة خلافيةمن باب سد الذريعة، مع التفريق بأن العمل بالأحوط قد يكون سائغاً في حق الإنسان في نفسه لما فيه من الورع واطمئنان القلب أما إلزام العامة به واعتباره منهجاً في الفتوى فإنه قد يفضي إلى الحرج كما وضح الإمام الشاطبي في موافقاته في قوله:”قد يؤدي الخروج من الخلاف إلى الوقوع في محذور شرعي من ترك سنة ثابتة أو اقتحام مكروه أوترك العمل بقاعدة مقررة”.

رابعاً: إن ضغط الواقع بأي شكل من أشكاله يجب أن لا يدفع أهل العلم والرأي بالتضحية بالثوابت والمسلمات، لأن نصوص الشرع جاءت صالحة للناس والله أعلم ما يصلحهم ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير(الملك:14) فرجل الفتوى والتوجيه العام هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، وعلى العالم أن يتريث ليعرف مدى موافقة الشرع والدين لما يقول، وقد قال الإمام مالك رحمه الله في معرض كلامه عن الفتوى:”رأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام في الفتيا ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غداً لقللوا من هذا”.

خامساً: في الغالب فقه النوازل المعاصرة في وقتنا هذا يغلب عليها أنها قضايا مستجدة طابعها عصري حديث مما يستدعي أن تكون الإجابات تأخذ طابع العلمية والواقعية هذا يتطلب فهم النازلة وتصورها تصوراً صحيحاً، لأن الحكم على الشىء فرع عن تصوره فقد يؤدي الباحث أو العالم من جهة جهله بحقيقة الأمر الذي يعيشه الناس إلى الخطأ.

ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين:”ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهـده واستفرغ وسعه فـي ذلك لم يعدم أجرين أو أجراً ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله” (إعلام الموقعين 1/69) فكم من حكم كان تدبيراً أو علاجاً ناجحاً لمجتمع في زمن معين فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يفضي إلى عكسه لتغيير الأوضاع والوسائل والأخلاق، ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون  من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون، وصرح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق، وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون” “فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل”.

سادساً:عدم الاستعجال والتثبت في النازلة واستشارة أهل الاختصاص إما مشافهة أو من خلال قراءة ما كتبوا فالاستعجال في الفتوى يرفضه الشرع قال صلى الله عليه وسلم:” أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار” وجاء في أمر التثبت عن الإمام مالك في ترتيب المدارك:” إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن” وقال:” ربما وردت علي المسألة فأفكر فيها ليال”.

سابعاً: على المتحدث والكاتب أن يلتجىء إلى الله عزوجل قبل كتابته يسأله الإعانة والتوفيق، قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن الملائكة:”سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم(البقرة:32) وقال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين مؤكداً هذا النوع من الأدب للمفتي:”ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق(إعلام الموقعين 4/131، 132) قال تعالى:”إنما يخش الله من عباده العلماء”.

ثامناً: على المتحدث أن يبحث ويجتهد ويبذل للوصول إلى الحكم الشرعي للنازلة فيعمد إلى:

أ-ذكر دليل الحكم في الفتوى النازلة، يقول ابن القيم رحمه الله:”من تأمل فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته”.

ب-أن يذكر البديل المتاح عند منعه للمحظور، ففي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم دنياهم عن شر ما يعلمه لهم”.

تاسعاً: النظر إلى مآلات الحكم فيرى المجتهد ما إذا كان سيؤدي القول الذي سيطلقه إلى تحقيق مقصده أم لا، فقاعدة “اعتبار المآل” أصل ثابت في الشريعة، قال تعالى:”ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم (البقرة:188) وقوله تعالى:”ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم (الأنعام:108) وهذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أشير إليه بقتل من ظهر نفاقه فقال فيما أخرجه البخاري في صحيحه:”أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه” وقال صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح في البخاري أيضاً لعائشة رضي الله عنها:”لولا قومك حديثوا عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم” ولذلك قال الإمام الشاطبي:”أن المجتهد لا يحكو على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة قد تستجلب أو لمفسدة قد تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من انطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة مثلها أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشورعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة”(الموافقات 5/178).      

عاشراً: على العالم الرباني المتمكن من أدواته ألا يرمي بالمسؤولية الملقاة على عاتقه من تبيين العلم للناس، بدعوى اعتزال الفتنة، فلا يجب أن يعتزل الفتنة إلا إذا ظهر له أن هناك ضرراً يقينياً يصيبه، فله الأخذ بالرخصة واعتزال الناس، وأما غير ذلك، فعليه إظهار الحق للناس وإرشادهم إلى الحكم الذي اجتهد بصحته، حتى لا يسكت هو ويسكت غيره من العلماء، فلا يفتي الناس إلا الجهال وتضل الأمة بسبب سكوت العالم وتجرأ الجاهل.